تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤
القيامة وقيل : الأجل الأوّل في الآية : النوم والثاني : الموت وقيل : الأجل الأوّل مقدار ما انقضى من عمره والأجل الثاني مقدار ما بقي . قال حكماء الإسلام : إنّ لكلّ إنسان أجلين أحدهما الآجال الطبيعيّة والثاني الآجال الاختراميّة أمّا الآجال الطبيعيّة فهو الَّذي لو بقي الشخص على طبيعته ومزاجه ولم يتعرّضه العوارض الخارجيّة والآفات المهلكة لانتهت مدّة بقائه إلى أن تتحلَّل رطوبته وينطفئ حرارته الغريزيّتان وأمّا الآجال الاختراميّة فهي الَّتي تحصل بسبب من الأسباب الخارجيّة كالحرق والغرق ولدغ الحشرات وشرب السمّ وأمثالها . فان قيل : إنّ قوله : « ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ » « 1 » وقوله : « فَاتَّقُوا اللَّه وأَطِيعُونِ [ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ ويُؤَخِّرَكُمْ إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى » ] « 2 » صريح في الدلالة على السبق على المسمّى فالجواب أنّ تعدّد الأجل إنّما هو بالنسبة إلينا وأمّا بالنسبة إليه فهو واحد قطعا ، وبيانه أنّه تعالى عالم في الأزل بكلّ الموجودات ومقدّر لها حسبما شمله علمه ، فهو يقول في الأزل مثلا : إنّ فلانا إن اتّقى وأطاع يبلغ إلى أجله المسمّى - والأجل هاهنا الأجل الثاني الأطول - وإن لم يتّق لم يبلغ هذه المرتبة لكن يعلم أنّه يفعل أحد الفعلين معيّنا فيقدّر له الأجل المعيّن فيكون المقدّر في علم اللَّه الأجل المعيّن ، وإنّا لعدم اطَّلاعنا من علم اللَّه لم نعلم أنّ ذلك الفلان أيّ الفعلين فعل ، وأيّما الأجلين قضي له فإذا فعل أحدهما المعيّن ، وحلّ الأجل المرتّب عليه علمنا أنّ ذلك هو المقدّر المسمّى . فالتردّد بالنسبة إلينا لا في التقدير ، وعلى هذا قول اللَّه للكافر : أسلم تدخل الجنّة ولا تكفر تدخل النار ، مع علمه عدم إسلامه في الأزل والأمر والنهي لإظهار الإطاعة أو المخالفة في الظاهر كمن يريد إظهار عدم إطاعة عبده للحاضرين فيأمره بشيء وهو يعلم أنّه لا يفعله ، والعلم بعدم الإطاعة للحاضرين المترددين إنّما يحصل بأمره وكذا جميع
هامش
( 1 ) الحجر : 5 . ( 2 ) نوح : 3 - 4 .