يسوّون به غيره بأن جعلوا له أندادا . ومن وجوه التعجّب أنّ هؤلاء الكفّار مع اعترافهم بأنّ أصول النعم منه تعالى وأنّه هو الخلق والرازق كما قال : سبحانه « ولَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّه » « 1 » فنقضوا ما اعترفوا به وعبدوا غيره ما لا ينفع ولا يضرّ من الحجارة وغيرها .
قوله تعالى : * ( [ هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا ] ) * أي ابتدأ خلقكم أيّها الناس من تراب مخلوط بالماء لما أنّه أصل البشر قال السدّيّ : بعث اللَّه جبرئيل إلى الأرض ليأتيه بطائفة منها فقالت الأرض : إنّي أعوذ باللَّه منك أن تنقص منّي فرجع جبرئيل ولم يأخذ شيئا حياء من اسم اللَّه قال : يا ربّ إنّها عاذت بك فبعث ميكائيل فاستعاذت كالمرّة الأولى ، فاستعاذت فرجع ميكائيل فبعث إسرافيل فكان كذلك فبعث ملك الموت فعاذت منه باللَّه فقال ملك الموت : وانا أعوذ باللَّه أن أخالف أمره فأخذ من وجه الأرض فخلط الحمراء والسوداء والبيضاء فلذلك اختلف ألوان بني آدم ثمّ عجنها بالماء العذب والملح والمرّ فقال اللَّه لملك الموت : رحم جبرئيل وميكائيل وإسرافيل الأرض ولم ترحمها لا جرم أجعل أرواح من أخلق من هذا الطين بيدك فلمّا خلق اللَّه آدم من تراب وجعله طينا ثمّ تركه حتّى كان حمأ مسنون أي أسود متغيّرا ، منتنا ثمّ خلقه وصوّره وتركه حتّى كان صلصالا كالفخّار أي يابسا مصوّتا كالمطبوخ بالنار ، ثمّ نفخ فيه من روحه ولمّا كان آدم أصلنا ونحن من أصله جاز أن يقول لنا : خلقكم من طين أو أنّا متولَّدون من النطفة وهي تتولَّد من أجزاء الأرض ، فصحّ هذا القول .
« ثُمَّ قَضى أَجَلًا » أي كتب وقدّر أجلا ، والقضاء يكون بمعنى الحكم وبمعنى الأمر وبمعنى الخلق وبمعنى الإتمام والإكمال . والمعنى : كتب لموت كلّ واحد منكم أجلا خاصّا به وحدّا معيّنا من الزمان ينفى عند حلوله لا محالة و « ثمّ » للإيذان بتفاوت بين خلقهم وتفاوت آجالهم .
* ( [ وأَجَلٌ مُسَمًّى ] ) * أي وحدّ معيّن لبعثكم جميعا و « أجل » مبتدأ وخبره * ( [ عِنْدَه ] ) * أي ثبت معيّن في علمه لا يتغيّر ولا يقف على وقت حلوله أحد وعلمه عنده وهو يوم
هامش
( 1 ) لقمان : 25 . الزمر : 38 .