الفاعل المختار بدليل أنّ كلّ حركة فإنّه يمكن وقوعها أسرع ممّا وقع وأبطأ ممّا وقع فاختصاص تلك الحركة المعيّنة بذلك القدر المعيّن من السرعة والبطيء اختصاص مجعول فيه ، ولا بدّ لذلك من جاعل بدليل أنّ الأجسام متساوية في الطَّبيعة الجسميّة باتّصاف بعضها بالحركة وبعضها بالسكون دون العكس ، وبعضها بالفلكيّة وبعضها بالعنصريّة يحتاج إلى مقدّر ومخصّص بتصرّف فيها كيف شاء ، والحركة فعل حادث لا بدّ له من أوّل فإنّ وجود حركة الأوّل لها محال لأنّ حقيقة الحركة انتقال من حالة إلى حالة وهذا الانتقال والحركة يقتضي كونها مسبوقة بالغير ووجب كون ذلك الغير والفاعل متقدّما على هذه الحركات ، والأثر غير المؤثّر فلا يمكن أن يقال : إنّ المؤثّر علَّة موجبة بالذات بل فاعل مختار خارج من ذات الأشياء خالق لها مستغن عنها خلقها إفاضة وخيرا . كذب العادلون باللَّه وضلَّوا ضلالا بعيدا .
قوله : * ( [ وجَعَلَ الظُّلُماتِ والنُّورَ ] ) * يعنى الليل والنهار وقيل : المراد : الجنّة والنار و « الجعل » هو الإنشاء والإبداع كالخلق والفرق بين الخلق والجعل أنّ الخلق فيه معنى التقدير والإنشاء التكويني وفي الجعل معنى التصيير كإنشاء شيء من شيء وتصيير شيء شيئا مثل قوله تعالى : « وجَعَلَ مِنْها زَوْجَها » « 1 » « وخَلَقْناكُمْ أَزْواجاً » « 2 » وإنّما حسن لفظ الجعل في الآية لأنّ النور والظلمة لمّا تعاقبا صار كان كل واحد منها تولَّد من الآخر وقدّم ذكر الظلمات لأنّ عدم المحدثات متقدّم على وجودها كما روي أنّه تعالى خلق الخلق في ظلمة ثمّ رشّ عليهم من نوره . وذكر الظلمات بصيغة الجمع فعلى قول من قال : الظلمات الكفر ، والنور الإيمان فظاهر لأنّ الحقّ واحد والباطل كثير وأمّا على قول من فسّرهما على الكيفيّة المحسوسة لأنّ النور عبارة عن تلك الكيفيّة الكاملة القويّة والظلمة تقبل التناقص قليلا قليلا وتلك المراتب كثيرة .
ثمّ ذكر بطريق التعجّب سبحانه ممّن جعل له شريكا مع ما يرى من الآيات الدالَّة على وحدانيّته فقال : * ( [ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا ] ) * وجحدوا الحقّ * ( [ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ ] ) * أي
هامش
( 1 ) النساء : 1 .
( 2 ) النبأ : 8 .