من الأجسام والفلكيّات وما فوقها من العرش والكرسيّ ، فينبغي للعبد أن يتأمّل ويتفكّر في طبقات السماوات واتّساعها وأجرامها وأبعادها ، والكواكب الثابتة والسيّارة ، ثمّ يتأمّل في عالم الأرض والعناصر الأربعة والمواليد الثلاثة وهي المعادن والنبات والحيوان وكيفيّة حكمة خلق اللَّه في الأشياء الحقيرة والضعيفة وجامعيّة أجزائها مع صغرها في الحجم كالبقّ والبعوض وأمثالهما ، ثمّ ينتقل إلى معرفة الأجناس وأعراضها والمنافع الحاصلة من كلّ نوع منها ، ثمّ إذا استكمل نظره يتأمّل إلى تعرّف مراتب الأرواح السفليّة والعلويّة والفلكيّة ، ومراتب الأرواح المقدّسة ، فإذا استحضر مجموع هذه الأشياء المحدثة المخلوقة بقدر القوّة البشريّة فقد حضر في عقله من المدركات ذرّة من معرفة قدرة اللَّه من العوالم ، وعرف حينئذ أنّ إيجاد اللَّه هذه العوالم العظيمة من جوده تعالى ووجوده ، فعند هذا يعرف من قوله : « خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ » ذرّة وهذا بحر لا ساحل له وكلام لا آخر له .
فمثل هذا القادر الخالق لهذا الخلقة العظيمة منزّه عن المثل والشبيه في الذات والصفات والأفعال فأفعاله تعالى لا تشبه أفعال الخلق وكذلك ذاته وصفاته ، فعند ذلك يحصل معرفة التوحيد معرفة ما والمعاني المتوجّهة في هذه كثيرة مثل أنّ قوله : « الْحَمْدُ لِلَّه الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ » جار مجرى ما يقال : جاءني الرجل الرجل الفقيه فإنّ هذا يدلّ على أنّ الجائي كان موصوفا بهذه الصفة فالإله هو الَّذي يخلق السماوات والأرض ولا يكون غيره إلها .
واعلم أنّ السماوات جارية مجرى الفاعل والأرض مجرى القابل ولذلك ذكر السماوات بلفظ الجمع والأرض بصيغة الواحد . والكثرة والتعدّد في السماء اقتضت الاختلافات بسبب الاتّصالات الكوكبيّة ليحصل بها الفصول وسائر الأحوالات المختلفة الَّتي بسببها يحصل نظام هذا العالم .
والمقصود من هذه الآية ذكر الدلالة على وجود الصانع وبيانه أنّ أجرام السماوات والأرض مقدّرات في أمور مخصوصة بمقادير مخصوصة وذلك لا يمكن حصوله إلَّا بتخصيص
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 131
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٣١