تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
والحقيقة للَّه وذلك يمنع من ثبوت الحمد لغير اللَّه واختصاصه على الحقيقة به تعالى فاقتضى أنّ جميع أقسام الحمد والثناء والتعظيم ليس إلَّا اللَّه . فإن قيل : إنّ شكر المنعم واجب مثل شكر الأستاذ على تعليمه وشكر السلطان على عدله وشكر المحسن على إحسانه كما قال صلى اللَّه عليه وآله وسلَّم : من لم يشكر الناس لم يشكر اللَّه فالجواب أنّ المحمود والمشكور في الحقيقة ليس إلَّا اللَّه لأنّ صدور الإحسان من العبد يتوقّف على داعية الإحسان ، وحصول الداعية ليس من العبد وإلَّا لا فتقر في حصولها إلى داعية أخرى ولزم التسلسل ، بل حصولها ليس إلَّا من اللَّه فيكون المحسن في الحقيقة هو اللَّه وكلّ إحسان يقدم عليه أحد من الخلق ، فالانتفاع به لا يكون إلَّا بواسطة إحسان اللَّه ، ألا ترى أنّه لولا أنّ اللَّه خلق أنواع النعمة وإلَّا لم يقدر الإنسان على إيصال تلك الحنطة والفواكه والذهب إلى الغير ، ولولا أنّه سبحانه أعطى الإنسان الحواسّ والقوى لم يمكنه الانتفاع بتلك النعم وإلَّا لعجز عن الانتفاع بها فثبت أنّ كلّ إحسان يصدر عن محسن سوى اللَّه فالانتفاع به يكون بواسطة إحسان اللَّه . وبالجملة فقوله : « الْحَمْدُ لِلَّه » يفيد هذه المعاني فقيل : معناه : « احمدوا اللَّه » وإنّما جاء بصيغة الخبر لإفادة معنى أنّه تعالى مستحقّ للحمد سواء حمده حامد أو لم يحمده . ثمّ إنّ المقصود من الآية ذكر الحجّة فذكره بصيغة الخبر أولى . وقيل : معناه : قولوا : الحمد للَّه وقد يقرّر في العقول أنّ القلوب مجبولة على حبّ من أحسن إليها وبغض من أساء إليها فإذا أمر اللَّه العبد بالتحميد وكان الأمر بالتحميد ممّا يحمله على تذكّر النعم صار ذلك الأمر موجبا للعبد على تذكّر أنواع النعم فيوجب رسوخ محبّة اللَّه في قلب العبد وهو من أحسن الفوائد للعبد ومن موجبات القرب ولذلك وقع الابتداء في الكتاب الكريم بهذا الكلمة فقال : « الْحَمْدُ لِلَّه رَبِّ الْعالَمِينَ » في الفاتحة وفي هذه السورة بقوله : * ( [ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ ] ) * والسماوات والأرض حاوية لأكثر موادّ العالم