والحواريّ خالصة الرجل وخلصاؤه مأخوذ من الخبز الحواري لأنّه أخلصه من كلّ ما يشوبه . والحواريّون كانوا من وزراء عيسى وأصحابه وصفوته ، ويمكن أن يكون معناه مأخوذا من الحور وهو البياض الخالص ، سمّوا به لخلوص نيّاتهم ونقاء سرائرهم قيل : كان بعضهم من الملوك وبعضهم صيّاد السمك وبعضهم من القصّارين وبعضهم من الصبّاغين فصاروا بالصدق والإيمان أولياء اللَّه وأطبّاء النفوس .
حكي عن بعض الزهّاد أنّه اعتلّ فحمل إلى البيمارستان وكتب عليّ بن عيسى الوزير إلى الخليفة المقتدر في ذلك فأرسل الخليفة اليه مقدّم الأطباء ليداويه فما أنجحت مداواته قال الطبيب للزاهد : واللَّه لو علمت أنّ مداواتك في قطعة لحم من جسدي ما عسر ذلك عليّ فقال الزاهد : دوائي في ما دون ذلك قال الطبيب : وما هو ؟ قال بقطعك الزنّار فقال الطبيب : أشهد أن لا اله إلَّا اللَّه وأنّ محمّدا رسول اللَّه فأخبر الخليفة فبكى وقال :
نفذنا طبيبا إلى مريض وما علمنا أنّا نفذنا مريضا إلى طبيب . والماحضون في الإيمان والتقوى هم أطبّاء النفوس ويعالجون المرضى حسب حذقهم فمريضا يسقونه عسلا وآخر حنظلا .
وكان فضيل بن عياض لم ير متبسّما ثلاثين سنة لمّا سمع في تفسير قوله تعالى :
« ما لِهذَا الْكِتابِ لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً » « 1 » عن ابن عبّاس الصغيرة : التبسّم والكبيرة :
الضحك ورواه يوم عرفة وهو يبكي بكاء الثكلى حتّى إذا كادت الشمس تغرب قبض على لحيته ورفع رأسه إلى السماء وقال : وا سوأتاه منك وإن غفرت ، ومن كلامه : لو أنّ الدنيا بحذا فيرها عرضت عليّ بشرط أن لا أحاسب يوما لكنت أتقذّرها كما يتقذّر أحدكم بجيفة إذا مرّ بها أن تصيب ثوبه .
قال الفضيل : إذا قيل لك : تخاف اللَّه ؟ فاسكت فإنّك إن قلت : لا فقد جئت بأمر عظيم وإن قلت : نعم فالخائف لا يكون على ما أنت .
* ( [ وإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ ] ) * أي اذكر يا محمّد وقت أن أمرتهم على ألسنة الرسل أو بالإلقاء والإلهام في قلوبهم * ( [ أَنْ آمِنُوا بِي ] ) * « أن » مفسّرة لما في الإيحاء
هامش
( 1 ) الكهف : 49 .