تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 104

مساهمون:

ص١٠٤
ومعناها الإغراء ، وقد يقيم العرب غير هذه الأحرف مقام الفعل لكن لا تعدّيه إلى المفعول نحو قولهم : إليك عنّي أي تأخّر عنّي و « وراك » بمعناه ، ولا يجوز ذلك إلَّا في الخطاب . ولا « يضرّكم » الأصل فيه : لا يضرركم وقرء بصيغة النّهي وفي ذلك أربع لغات : ضارّه يضورّه ، ضارّه يضيرّه ، ضرّه يضرّه ، ضرّه يضرّه ، وحاصل المعنى : احفظوا أنفسكم وألزموها عن المعاصي ولا يضرّكم ضلال من ضلّ من آبائكم وغيرهم إذا كنتم مهتدين . فلو قيل : إنّ ظاهر الآية يوهم أنّ الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر غير واجب فالجواب أنّ الآية لا تدلّ على ذلك بل توجب أنّ المطيع لربّه لا يكون مؤاخذا بذنوب العاصي فأمّا وجوب الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر فثابت بالدلائل . قال عبد اللَّه بن المبارك : هذه الآية أوكد آية في وجوبهما فإنّه قال : عليكم أنفسكم يعني أهل دينكم بأن يعظ بعضكم بعضا ويرغَّب بعضكم بعضا في الخيرات وينفّره عن القبائح لأنّ قوله : « عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ » معناه احفظوا أنفسكم فإذا لم يكن هذا الحفظ إلَّا بالأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر كان ذلك واجبا والمؤمنون كنفس واحدة وقيل : وجه آخر وهو أنّ الآية مخصوصة بالكفّار الَّذين علم أنّه لا ينفعهم التذكّر ولا يتركون الكفر بسبب الأمر والنّهي فعند ذلك لا يجب على الإنسان أن يأمرهم وينهاهم أو أنّ الآية مخصوصة بما إذا خاف الإنسان عند الأمر والنّهي على نفسه أو على عرضه أو على ماله وأيضا في الآية وجه آخر وهو أنّ قوله : « عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ » يعني من أداء الواجبات الَّتي من جملتها الأمر بالمعروف عند القدرة فإن لم يقبلوا ذلك منكم فلا يضرّكم ضلال غيركم ولا ينبغي أن تستوحشوا من ذلك فإنّكم خرجتم عن عهدة التكليف ، وأنّ اللَّه قال لرسوله : « فَقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّه لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ » وذلك لا يدلّ على ثبوت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فكذا هاهنا . وروي عن ابن مسعود وابن عمر وجه آخر في تأويل الآية قالا : قوله : « عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ » يكون في آخر الزمان . قال الرازيّ : وهذا الوجه ضعيف لأنّ قوله « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا » خطاب عامّ وهو أيضا خطاب مع الحاضرين فكيف يخرج ويخصّ الغائب ؟ وروي أنّ أبا ثعلبة سأل رسول