وهناك شيء مسلّم به من الوجهة التاريخية وهو : إنّ كلّ الفِرَق التي تنتسبُ إلى الإسلام - وهي بعيدةٌ عنه - كان الغلو وراء انحرافها عن الإسلام .
ونحن لا نريد هنا أن نذكر كل ما ورد في شأن الغلو في الكتاب والسنّة ، ولا نحاول هنا أن نبحث عن الآثار الخطيرة للغلو ؛ كما لا نحاول أن نبحث عن الفِرَق المغالية ، ولا عن منابع الفِرَق المغالية وتأثير المجوسية واليهودية والنصرانية على تلك الفرق ، فهذه المواضيع لا ترتبط ارتباطاً كاملاً بموضوع هذا الكتاب .
أما الذي نريد أن نبحث عنه ويرتبطُ بموضوع هذا الكتاب ولم يتم البحث عنه في مكان آخر فهو معالجة تعريف الوهابية لهذه الكلمة ، فمنذ أن نشأت الوهابية في القرن الثامن عشر الميلادي وحتى الوقت الحالي ، وهي تُعرِّف هذه الكلمة ( الغلو ) بصورة غريبةٍ عن تعريف أهل السنّة والاثني عشرية لهذه الكلمة .
وقد أدّى ذلك التعريف الغريب للغلو - مع الأسف - إلى توسيع مدلول ومفهوم كلمة الغلو عند الوهابية ، حتى أصبحوا يتهمون كل المذاهب الإسلامية بالغلو . وأذكرُ أنّني عندما كنت أدرسُ في السعودية - وكنت يومئذٍ وهابياً - كنا نتعلّم - مع الأسف - تعليماً غريباً يؤدّي إلى تزييف وتشويه صورة الأشاعرة والماتريدية الذين يمثلّون جمهور أهل السنة ، ويؤدّي إلى تشويه وتزييف صورة الاثني عشرية . ولم يكن هذا النمط من التعليم يُمثِّل الحكومة السعودية ، بل كان يُمثّل تياراً منبوذاً ومرفوضاً من قبل الحكومة السعودية .
وكان لأسلوب التعليم - في تلك الفترة - أثرٌ سيّءٌ على مفهوم الغلو عندي ، حتى إنّني كنتُ من هواة اتهام المسلمين من أهل السنّة ومن الاثني عشرية ب ( الغلو ) . ومن النتائج الخطيرة لاتهامي للمسلمين ب ( الغلو ) ، التي تركت خطراً على نظرتي لأهل السنّة من الأشاعرة والماتريدية أو نظرتي للاثنى عشرية ؛ أنّني كنت أسيء الظن بكبار علماء أهل السنّة من القدماء والمتأخرين ؛ لأنّهم كانوا إما
المنهج الجديد والصحيح في الحوار مع الوهابين ( محاولة للتقريب بين الإثني عشرية والوهابية ) — صفحة 82
مساهمون: عصام علي يحيي العماد
ص٨٢