ولا يخفى على البصير بأساليب الكلام ، والعارف بمواقع اللَّغة أنّ لكلمة الحسبة بالباء في المقام شأنا ليس للحسنة بالنّون ، والتشابه بين الكلمتين أوجب تصحيف الأولى بالثانية ، ولم يتعرّض أحد من شراح النهج والكافي لهذه الدقيقة وإنّما كانت نسخهم حسنة بالنون .
قوله عليه السّلام : ( إن أبق فأنا وليّ دمى ) كانت العبارة على نسخة المسعودي في مروج الذّهب : « إن أفق فأنا وليّ دمى » وكلمة أفق مشتقة من الإفاقة أصله من ف وق ، قال ابن الأثير في النهاية : أفاق إذا رجع إلى ما كان قد شغل عنه وعاد إلى نفسه ومنه إفاقة المريض والمجنون والمغشى عليه والنائم .
قوله عليه السّلام : ( وإن أفن فالفناء ميعادي ) وذلك لأنّ كلّ نفس ذائقة الموت ، وكلّ من عليها فان ولا يبقى إلَّا وجه ربّك ذو الجلال والإكرام ، وأنّ الموت ضروريّ أمره والوجه فيه هو كما أفاده المحقق الطوسي قدّس سرّه قال : إنّ السبب الموجب للموت في جميع الحيوانات هو أنّ البدل الَّذي تورده الغاذية وإن كان كافيا في قيامه بدلا عمّا يتحلَّل فاضلا عن الكفاية بحسب الكميّة لكنّه غير كاف بحسب الكيفيّة ، وبيان ذلك أنّ الرطوبة الغريزيّة الأصليّة إنّما تخمّرت ونضجت في أوعية الغذاء أوّلا ، ثمّ في أوعية المنى ثانيا ، ثمّ في الأرحام ثالثا والَّذي تورده الغاذية لم يتخمّر ولم ينضج إلَّا في الأوّل دون الأخيرين فلم يكمل امتزاجها ، ولم يصل إلى مرتبة المبدل عنها فلم يقم مقامها كما يجب بل صارت قوتها أنقص من قوة الأولى وكان كمن يفقد زيت سراج فأورد بدله ماء فما دامت الكيفيّة الأولى الأصليّة غالبة في الممتزج على الثانية المكتسبة كانت الحرارة الغريزيّة آخذة في زيادة الاشتغال موردة على الممتزج أكثر ممّا يتحلَّل فينمو الممتزج ، ثمّ إذا صارت مكسورة السورة بظهور الكيفيّة الثانية وقفت الحرارة الغريزيّة وما قدرت على أن يورد أكثر ممّا يتحلَّل وإذا غلبت الثّانية انحطَّ الممتزج وهرم وضعفت الحرارة إلى أن يبقى له أثر صالح الكيفيّة الأولى فيقع الموت ضرورة ، وظهر من ذلك أنّ الرطوبة الغريزيّة الأصليّة من أوّل تكوّنها
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 360
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٦٠