حائط أو يصيبه شيء حتّى إذا جاء القدر خلَّوا بينه وبينه إلى المقادير وهما ملكان يحفظانه باللَّيل وملكان بالنهار يتعاقبانه .
والمؤمن العارف بسرّ القدر لا يفرح بما ناله ولا يحزن على ما فاته لعلمه بأنّ قضاء اللَّه وقدره في نظام العالم أوجبا وقوع الأوّل وفوت الثاني فلم يكن الأوّل ليفوته ولا الثاني ليدركه وقد قال صلَّى اللَّه عليه واله : جفّ القلم بما هو كائن إلى يوم الدّين فالحزن على فوات شيء محتوم عليه أن يفوته ، والفرح بحصول شيء مقطوع الحصول لما ذا وللعارف قلب مطمئنّ لا يرى إلَّا اللَّه ولا يرجو إلَّا إيّاه ولا يخاف إلَّا منه ، ولا يحسد ولا يعادي أحدا ولا يحزن ولا يبطر ، وقد ورد في الخبر كما في تفسير النيسابوري في سورة الحديد : من عرف سرّ اللَّه في القدر هانت عليه المصائب ، ونعم ما في تفسير المجمع من أنّ في قوله تعالى : * ( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ ) * إشارة إلى أربعة أشياء : الأوّل حسن الخلق لأنّ من استوى عنده وجود الدّنيا وعدمها لا يحسد ولا يعادي ولا يشاحّ فإنّ هذه من أسباب سوء الخلق وهي من نتائج حبّ الدّنيا ، وثانيها استحقار الدّنيا وأهلها إذا لم يفرح بوجودها ولم يحزن لعدمها ، وثالثها تعظيم الآخرة لما ينال فيها من الثواب الدائم الخالص من الشوائب ، ورابعها الافتخار باللَّه دون أسباب الدّنيا .
قال : ويروى أنّ عليّ بن الحسين عليهما السّلام جاءه رجل فقال له : ما الزّهد قال : الزّهد عشرة أجزاء : فأعلى درجة الزهد أدنى درجة الورع ، وأعلى درجة الورع أدنى درجة اليقين ، وأعلى درجة اليقين أدنى درجة الرضا وأنّ الزهد كلَّه في آية من كتاب اللَّه : * ( لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ . ) * قال : وقيل لبزرجمهر : مالك أيّها الحكيم لا تأسف على ما فاتك ولا تفرح بما هو آت فقال : إنّ الفائت لا يتلافى بالعبرة ، والاتي لا يستدام بالحبرة .
وعن عبد اللَّه بن مسعود قال : لئن الحسن جمرة أحرقت ما أحرقت وأبقت ما أبقت أحبّ
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 352
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٥٢