وتأخير هذه الحروب حتّى ترى من رأيك فقال له عليّ عليه السّلام : وما ذاك قال : ترجع إلى عراقك فنخلَّي بينك وبين العراق ونرجع إلى شامنا فتخلَّي بيننا وبين شامنا .
فقال له عليّ عليه السّلام : لقد عرفت أنّما عرضت هذا نصيحة وشفقة ، ولقد أهمّني هذا الأمر وأسهرني وضربت أنفه وعينه فلم أجد إلَّا القتال أو الكفر بما انزل على محمّد صلَّى اللَّه عليه واله إنّ اللَّه تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه أن يعصى في الأرض وهم سكوت مذعنون لا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر فوجدت القتال أهون عليّ من معالجة الأغلال في جهنّم ، فرجع الشاميّ وهو يسترجع .
أقول : وقد مضى كلامنا في ذلك في شرح المختار 236 من باب الخطب ( ص 322 ج 15 ) ، وهذا من أبناء الدّنيا يقصر الهمّة في الماء والكلاء ويتمرّغ في الأهواء والأميال الشهوانيّة ، وذلك رجل إلهيّ وسفير ربّانيّ يرشد النّاس من عبارة وجيزة إلى حقيقة أشرقت من صبح الأزل فيها بيان علَّة قيام أولياء اللَّه ونهضتهم في قبال أعدائه قائلا : إنّ اللَّه تبارك وتعالى لم يرض من أوليائه - إلخ .
والحريّ بباغي الرّشد أن ينظر حقّ النّظر في قوله عليه السّلام فوجدت القتال أهون عليّ من معالجة الأغلال في جهنّم .
ولقد سبق معاوية في الطَّلب المذكور مسيلمة المتنبّي إلَّا أنّ هذا المفتري الكذّاب طلب من النبيّ وذاك طلب من الوصيّ سنّة بسنّة ففي السيرة النبويّة لابن هشام ( ص 600 ج 2 طبع مصر 1375 ه ) : وقد كان مسيلمة بن حبيب قد كتب إلى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه واله : من مسيلمة رسول اللَّه ، إلى محمّد رسول اللَّه سلام عليك ، أمّا بعد فانّي قد أشركت في الأمر معك وإنّ لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ولكنّ قريشا قوم يعتدون .
فقدم عليه رسولان له بهذا الكتاب .
قال ابن هشام : قال ابن إسحاق : فحدّثني شيخ من أشجع عن سلمة بن نعيم
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 248
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٤٨