في الطَّعن بالرّماح والضّرب بالسّيوف ويوبّخوها على الفشل والضّعف ، حتّى يتشمّروا للطَّعن بالرّماح على الأعداء بحيث يظهر أثره ويحشى به أجوافهم ، ويتهيئوا لإيقاع الضرب الشديد بالسّيوف عليهم .
ثمّ بالتأمّل الصحيح في سياق هذه الأمور الثلاثة يعلم أنّ مساقها واحد ، ومفادها فارد ، والحقّ أن يقال أنّها ملتقطة من روايات شتّى كما قد أتينا بها في بيان مصادرها .
قوله عليه السّلام : « وأميتوا الأصوات فإنّه أطرد للفشل » هذا رابع الأمور أمرهم بها ، أي اخفضوا الأصوات وعنّوها فإنّ اخفائها أولى بالوقار وأطرد للفشل وأذهب بالوهل وإنّ شدّة الضوضاء في الحرب أمارة الخوف والوجل .
وفي كتاب الحرب من عيون الأخبار لابن قتيبة ( ص 108 ج 1 ) أنّ قوما استشاروا أكثم بن صيفي في حرب قوم أرادوهم وسألوه أن يوصيهم فقال : أقلَّوا الخلاف على أمرائكم ، واعلموا أنّ كثرة الصّياح من الفشل ، والمرء يعجز لا محالة تثبتوا فإنّ أحزم الفريقين الرّكين ، وربّة عجلة تعقب ريثا ، واتّزروا للحرب ، وادّرعوا اللَّيل فإنه أخفى للويل ، ولا جماعة لمن اختلف عليه .
وقال ابن قتيبة بعد نقل ما قاله أكثم : قال بعض الحكماء : قد جمع اللَّه لنا أدب الحرب في قوله تعالى : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . وَأَطِيعُوا اللهَ وَرَسُولَه ُ وَلا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ) * ( الأنفال 48 - 49 ) .
وقال : حدّثني محمّد بن عبيد قال : حدّثنا معاوية بن عمرو ، عن أبي إسحاق عن الأوزاعي قال : قال عتبة بن ربيعة يوم بدر لأصحابه : ألا ترونهم - يعني أصحاب النّبي صلَّى اللَّه عليه واله - جثيّا على الرّكب كأنّهم خرس يتلمّظون تلمّظ الحيّات ، قال : وسمعتهم عائشة يكبّرون يوم الجمل فقالت : لا تكثروا الصّياح فإنّ كثرة التكبير عند اللَّقاء من الفشل .
قوله عليه السّلام : « والَّذي فلق الحبّة - إلخ » هذا هو المطلب الثالث الموعود بيانه
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 223
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٢٣