تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 219

مساهمون:

ص٢١٩
فأبى فيروز إلَّا تعلَّقا بحجّته في الحجر الَّذي جعله حدّا بينه وبينه وقال : لست ممّن يردعه عن الأمر يهمّ به وعيد ، ولا يقتاده التهدّد والترهيب ، ولو كنت أرى ما أطلبك غدرا منّي ما كان أحد أنظر ولا أشدّ اتّقاء منّي على نفسي فلا يغرّنّك منّا الحال الَّتي صادفتنا عليها في المرّة الأولى من القلَّة والجهد والضّعف . قال اخشنوار : لا يغرّنّك ما تخدع به نفسك من حملك الحجر أمامك فإنّ النّاس لو كانوا يعطون العهود على ما تصف من إسرار أمر وإعلان آخر إذا ما كان ينبغي لأحد أن يغترّ بأمان ، ولا يثق بعهد ، وإذا لما قبل النّاس شيئا ممّا يعطونه من ذلك ولكنّه وضع على العلانية وعلى نيّة من تعقد العهود والشروط له . فانصرفا يومهما ذلك فقال فيروز لأصحابه : لقد كان اخشنوار حسن المحاورة ، وما رأيت للفرس الَّذي كان تحته نظيرا في الدّوابّ فإنّه لم يزل قوائمه ولم يرفع حوافره عن موضعها ولا صهل ولا أحدث شيئا يقطع به المحاورة في طول ما تواقفنا . وقال اخشنوار لأصحابه : لقد واقفت فيروز كما علمتم وعليه السّلاح كلَّه فلم يحرّك رأسه ، ولم ينزع رجله من ركابه ، ولا حنا ظهره ، ولا التفت يمينا ولا شمالا ولقد تورّكت أنا مرارا ، وتمطَّيت على فرسي وتلفّتّ إلى من خلفي ، ومددت بصري في أمامي وهو منتصب ساكن على حاله ، ولولا محاورته إيّاي لظننت أنّه لا يبصرني . وإنّما أرادا بما وصفا من ذلك أن ينتشر هذان الحديثان في أهل عسكريهما فيشغلوا بالإفاضة فيهما عن النظر فيما تذاكراه . فلمّا كان في اليوم الثّاني أخرج اخشنوار الصحيفة الَّتي كتبها لهم فيروز فرفعها على رمح لينظر إليها أهل عسكر فيروز فيعرفوا غدره وبغيه ويخرجوا من متابعته ، فانتقض عسكر فيروز واختلفوا وما لبثوا إلَّا يسيرا حتّى انهزموا وقتل منهم خلق كثير وهلك فيروز ، فقال اخشنوار : لقد صدق الَّذي قال : لا رادّ لما قدّر ، ولا أشدّ إحالة لمنافع الرأي من الهوى واللَّجاج ، ولا أضيع من نصيحة