وولدي وتحسن إليهم وتخلفني فيهم ، ثمّ اقطع يديّ ورجليّ والقني على طريق فيروز حتّى يمرّبي هو وأصحابه فأكفيك مئونتهم وشوكتهم وأورّطهم مورّطا تكون فيه هلكتهم .
فقال له اخشنوار : وما الَّذي تنتفع به من سلامتنا وصلاح حالنا إذا أنت قد هلكت ولم تشركنا في ذلك قال : إنّي قد بلغت ما كنت احبّ أن أبلغه من الدّنيا وأنا موقن بأنّ الموت لا بدّ منه وإن تأخّر أيّاما قلائل ، فاحبّ أن أختم عمري بأفضل ما تختم به الأعمار من النّصيحة لإخواني والنكاية في عدوّي فيشرف بذلك عقبي وأصيب سعادة وحظوة فيما أمامى .
ففعل به ذلك وأمر به فلمّا مرّ به فيروز سأله عن أمره فأخبره أنّ اخشنوار فعل ذلك به وأنّه احتال حتّى حمل إلى ذلك الموضع ليدلَّه على عورته وغرّته ، وقال : إنّي أدلَّك على طريق هو أقرب من هذا الَّذي تريدون سلوكه وأخفى ، فلا يشعر اخشنوار حتّى تهجموا عليه فينتقم اللَّه لي منه بكم ، وليس في هذا الطريق من المكروه إلَّا تفويز يومين ثمّ تفضون إلى كلّ ما تحبّون .
فقبل فيروز قوله بعد أن أشار عليه وزراؤه بالإتّهام له والحذر منه وبغير ذلك فخالفهم وسلك الطريق حتّى انتهى بهم إلى موضع من المفازة لا صدر عنه ثمّ بيّن لهم أمره فتفرّقوا في المفازة يمينا وشمالا يلتمسون الماء فقتل العطش أكثرهم ولم يخلص مع فيروز منهم إلَّا عدّة يسيرة فإنّهم انطلقوا معه حتّى أشرفوا على أعدائهم وهم مستعدّون لهم فواقعهم على تلك الحالة وعلى ما بهم من الضرّ والجهد فاستمكنوا منهم وأعظموا النكاية فيهم .
ثمّ رغب فيروز إلى اخشنوار وسأله أن يمنّ عليه وعلى من بقي من أصحابه على أن يجعل لهم عهد اللَّه وميثاقه ألَّا يغزوه أبدا فيما يستقبل من عمره وعلى أنّه يحدّ فيما بينه وبين مملكته حدّا لا تجاوزه جنوده ، فرضى اخشنوار بذلك وخلَّى سبيله وانصرف إلى مملكته .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 216
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢١٦