تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧

فمكث فيروز برهة من دهره كئيبا ، ثمّ حمله الأنف على أن يعود لغزوه ودعا أصحابه إلى ذلك فردّوه عنه وقالوا : إنّك قد عاهدته ونحن نتخوّف عليك عاقبة البغي والغدر مع ما في ذلك من العار وسوء المقالة . فقال لهم : إنّي شرطت له ألَّا أجوز الحجر الَّذي جعلته بيني وبينه فأنا آمر بالحجر ليحمل على عجلة أمامنا . فقالوا له : أيّها الملك إنّ العهود والمواثيق الَّتي يتعاطاها النّاس بينهم لا تحمل على ما يسرّ المعطي لها ولكن على ما يعلن المعطي ، وإنّك إنّما جعلت له عهد اللَّه وميثاقه على الأمر الَّذي عرفه لا على أمر لم يخطر بباله . فأبى فيروز ومضى في غزاته حتّى انتهى إلى الهياطلة وتصافّ الفريقان للقتال فأرسل اخشنوار إلى فيروز يسأله أن يبرز فيما بين صفّيهم ليكلَّمه ، فخرج إليه . فقال له اخشنوار : قد ظننت أنّه لم يدعك إلى غزونا إلَّا الأنف ممّا أصابك ولعمري لئن كنّا احتلنا لك بما رأيت لقد كنت التمست منّا أعظم منه ، وما ابتدأناك ببغي ولا ظلم ولا أردنا إلَّا دفعك عن أنفسنا وعن حريمنا ، ولقد كنت جديرا أن تكون مكافأتنا بمنّنا عليك وعلى من معك من نقض العهد والميثاق الَّذي وكَّدت على نفسك أعظم أنفا وأشدّ امتعاظا ممّا نالك منّا فإنّا أطلقناكم وأنتم أسرى ، ومننّا عليكم وأنتم مشرفون على الهلكة ، وحقنّا دماءكم وبنا قدرة على سفكها ، وإنّا لم نجبرك على ما شرطت لنا بل كنت أنت الرّاغب إلينا فيه ، والمريد لنا عليه ففكَّر في ذلك ، وميّل بين هذين الأمرين فانظر أيّهما أشدّ عارا وأقبح سماعا : إن طلب رجل أمرا ينح له ، وسلك سبيلا فلم يظفر فيها ببغيته ، واستمكن منه عدوّه على حال جهد وضيعة منه وممّن معه فمنّ عليهم وأطلقهم على شرط شرطوه وأمر اصطلحوا عليه فاضطرّ لمكروه القضاء ، واستحيا من النّكث والغدر أم يقال ( 1 ) امرؤ نكث العهد وختر الميثاق

هامش
( 1 ) كان في الأصل : أن يقال ، والصواب : أم يقال كما صححناه في المتن لأنه عدل ان طلب . منه .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 217 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي