الدّين وسلب للدّنيا مع الذلّ والصغار ، وفيه استيجاب النّار بالفرار من الزّحف عند حضرة القتال يقول اللَّه عزّ وجلّ : * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الأَدْبارَ ) * .
واستثنى جلّ وعلا من حرمة الفرار حالتين إحداهما إذا كان المجاهد متحرّفا لقتال ، فقال في الكشّاف : وهو الكرّ بعد الفرّ يخيّل عدوّه أنّه منهزم ثمّ يعطف عليه وهو باب من خدع الحرب ومكائدها .
ونحوه النيسابوري في غرائب القرآن ، والبيضاويّ في أنوار التنزيل حيث قال في معناه : يريد الكرّ بعد الفرّ وتغرير العدوّ فانّه من مكائد الحرب .
وقال الطبرسيّ في المجمع : وقيل معناه إلَّا منعطفا مستطردا كأنّه يطلب عورة يمكنه اصابتها فيتحرّف عن وجه ويرى أنّه يفرّ ثمّ يكرّ والحرب كرّ وفرّ .
والقول الاخر في تفسير قوله تعالى : * ( إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ ) * هو أنّ من ولَّى دبره يبغي موقفا أصلح للقتال من الموقف الأوّل فهو خارج عن حرمة الفرار من الزّحف والحق إنّه شامل على كلا القولين ، أي إنّ الفارّ عن الزّحف قد باء بغضب من اللَّه إلَّا أن يدبر عن القتال وينحرف عن مضيق إلى اتّساع لتجول الخيل ، أو من معاطش إلى مياه ، أو كانت الشمس أو الريح في وجهه فاستدبرها ، أو كان يوهم باستدباره خصمه أنّه منهزم منه ليغريه باتّباعه فينفرد عن أشياعه فيكرّ عليه فيقتله وما أشبه ذلك .
وثانيتهما إذا كان متحيّزا إلى فئة ، والتحيّز طلب حيّز يتمكَّن فيه والمعنى أو كان منحازا ومنتقلا إلى جماعة أخرى من المسلمين أي غير الجماعة الَّتي كان فيها وهم الَّذين يريدون قتال الأعداء والجهاد في سبيل اللَّه فهو يريد أن يستعين بهم عليهم .
وعن ابن عبّاس أنّ الفرار من الزّحف في غير هاتين الصورتين من أكبر الكبائر كما في الكشّاف وغرائب القرآن .
وقد روى أهل السنّة عن أبي هريرة عن النبيّ صلَّى اللَّه عليه واله قال : اجتنبوا السبع الموبقات ، قالوا : يا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه واله وما هنّ قال : الشّرك باللَّه ، والسحر ، وقتل
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 211
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢١١