« ما اسلموا » جواب للقسم ، وكلمة ما نافية . لمّا علم للظَّرف وهو لوقوع الشيء لوقوع غيره والشيء الأوّل في المقام اظهارهم الكفر ، والثاني وجود الأعوان عليه
المعنى
قوله عليه السّلام : « لا تشتدّنّ عليكم فرّة بعدها كرّة ولا جولة بعدها حملة » قد علمت آنفا أنّه عليه السّلام قد كان ينبّه أصحابه على أن لا يغترّوا بفرار الأعداء من المعارك فإنّ الفرار قد يكون عن حيلة وخدعة فيولَّون الأدبار لكي يفرجوا الَّذين يقاتلونهم ويغرّوهم ويغروهم باتّباعهم آثارهم مهر عين ويخرجوهم من مكامنهم ظنّا منهم بأنّهم انهزموا وما كان فرارهم عن هزيمة وبعد ما أفرجوهم برهة من الزّمان يعطفون ويقبلون عليهم ويحملونهم حملة رجل واحد فيهزمونهم ، كما كان هذا التنبيه هو المرويّ عن الكافي حيث أيقظ عليه السّلام أصحابه بقوله : « لا يشدّون عليكم كرّة بعد فرّة ، ولا حملة بعد جولة » .
وههنا أرشدهم إلى أنّ الحرب خدعة ، وفرّ وكرّ فإنّ علموا أنّ مقتضي الحال في القتال يوجب أن يولَّوهم الأدبار ويخيّلوهم ويروهم بأنّهم منهزمون حتّى إذا أمكنتهم الفرصة من الحملة عليهم كرّوا عليهم دفعة واحدة فلا يحسبوه عارا ولا يستحيوا منه ، ولا يستصعب عليهم هذا النحو من الفرار الظاهري الموجب للظفر على الخصم وانما الَّذي ينبغي أن يستصعب ويشق على المجاهد ويستحيي منه هو أن تكون فرّة من غير كرّة ، بل لا يجوز الفرار إذا كان العدوّ على الضّعف أو أقلّ .
وقد مضى قول ثامن الأئمّة عليّ بن موسى الرّضا عليه السّلام في شرح المختار 235 من باب الخطب ( ص 178 ج 15 ) في الفرار عن الزحف حيث قال عليه السّلام : وحرّم اللَّه الفرار من الزّحف لما فيه من الوهن في الدّين ، والاستخفاف بالرّسل صلوات اللَّه وسلامه عليهم والأئمّة العادلة عليهم السّلام ، وترك نصرتهم على الأعداء والعقوبة لهم على انكار ما دعوا إليه من الاقرار بالربوبيّة ، واظهار العدل ، وترك الجور ، وإماتة الفساد لما في ذلك من جرأة العدوّ على المسلمين وما يكون في ذلك من السّبي
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 209
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٠٩