تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 300

مساهمون:

ص٣٠٠
المكبّرة وأن لا يكون بينهما حاجب ممّا قدّمنا في صدر هذا البحث من شرائط الابصار وأمّا العقل فيدرك ما هو مجرّد عن المادّة والجهة ولا يشترط في رؤيته وجود الواسطة وعدم الظلمة وعدم القرب والبعد المفرطين ولا عدم الحاجب ، فإنه يدرك مطلقا ولذا قال عليه السّلام : أنت قد تدرك بوهمك أي بعقلك السند والهند - إلخ ، والمجرّد عن المادّة يكون أدقّ وألطف وأكبر وأعظم وجودا من إدراكات البصر ، لأنّ مدركاتها محبوسة محصورة . وفي نسخة مخطوطة مصحّحة من توحيد الصّدوق موجودة عندنا : أنّ أوهام القلوب أكثر من أبصار العيون ، بالثاء المثلَّثة وهذا صحيح أيضا ، والكلّ يشير إلى معنى واحد أي أوسع وجودا . وبالجملة أنّ كلّ ما تدركه أوهام القلوب لا تدركه العيون ، بخلاف العكس وأنّ العقل مجرّد عن المادّة ومدركاتها كذلك ، وساير القوى ليست في مرتبته ، وكذلك مدركاتها . فالمدركات العقليّة أدقّ وأكبر وأكثر وجودا من الحسيّة ، قل كلّ يعمل على شاكلته ، فإذا لم يكن الوهم قادرا على إدراكه تعالى والإحاطة به فما ظنّك بالعيون الَّتي دون الوهم بمراحل ، فنفي إدراكه تعالى بالوهم الَّذي هو أوسع وجودا وأتمّ إدراكا يستلزم نفي إدراكه بالأبصار بطريق أولى ، فانّ نفي الأعمّ يستلزم نفي الأخصّ ، كما أنّ نفي الحيوان يستلزم نفي الانسان على ما بيّن في صنعة الميزان . ثمّ لا يخفى على من ساعده التوفيق أنّ هذه الأخبار الصادرة من أهل بيت العصمة تشير إلى تجرّد الرّوح الانساني الَّذي به امتاز الانسان عن سائر الحيوانات وبه كرّم الله بني آدم عليهم ، فالحيوانات وإن كانت قويّة في إدراكاتها الحسيّة لكنّها عاجزة عن نيل ما رزق به الانسان من تعقّل المعقولات وإدراك الحقائق المجرّدة والمعاني اللَّطيفة الخفيّة من فعل العقل ، والفرق بين المعاني الحسيّة وبين المعاني العقليّة شرفا كالفرق بين الحاسّة والعقل .