تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
ليس فصلا كالحكم العقلي ، ولكن حكما تخييلا مقرونا بالجزئيّة وبالصّورة الحسيّة وعنه يصدر أكثر الأفعال الحيوانيّة ، انتهى كلامه . وكما أنّ العقل رئيس الوهم ومخدومه كذلك الوهم رئيس الحواسّ الظاهرة والباطنة ومستعملها ومستخدمها ولذا بيّنوا أنّ آلتها الدّماغ كلَّه ولكنّ الأخصّ بها التجويف الأوسط على التفصيل الَّذي بيّن في محلَّه . ولكنّ المراد بالوهم في تلك الرّوايات معناه اللَّغوي أي ما يقع في القلب من الخاطر . قال الطريحيّ في مجمع البحرين : الوهم ما يقع في الخاطر يقال : وهمت الشيء أهمه وهما من باب ضرب أي وقع في خلدي . وقال الفيوميّ في المصباح : وهمت وهما وقع في خلدي ، والجمع أوهام . فالمراد بأوهام القلوب إدراكاتها ومنه قول الصّادق والباقر عليهما السّلام : كلَّما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه فهو مخلوق مصنوع مثلكم - الحديث الَّذي ذكرناه في صدر هذا البحث . وقد مرّ غير مرّة أنّ القلب في الآيات والأخبار بمعنى النفس والعقل . والوهم بذلك المعنى أعني الإدراك المتعلَّق بالقوّة العقليّة المتعلَّقة بالمعقولات في الأخبار غير عزيز بل شائع ذائع . ولا يبعد أن يقال : وجه التعبير بالأوهام إنّما كان من جهة عدم إحاطة العقول به تعالى أعني أنّ هذا التعبير يشير ضمنا إلى أنّ تلك الادراكات في صفة الباري تعالى أوهام من الوهم بمعنى الغلط وخيالات لا أنّها حقائق ومعقولات صحيحة . وإنّما كان إدراكات القلوب أكبر من أبصار العيون لأنّ القلب أعني العقل مجرّد والعقل قد لا يحتاج في إدراكه إلى المادّة والجهة وغيرهما ممّا يحتاج إليها غيره من القوى المدركة في إدراكاتها . ولا يخفى أنّ إدراك البصر مثلا مقصور على ما هو محصور في المادّة ولا بدّ أن يكون ذا جهة ووضع وضوء ولون وأن لا يكون بعيدا مفرطا عن محسّة الرؤية ولا قريبا منها كذلك ، وأن لا يكون صغيرا جدّا ممّا يحتاج في رؤيتها إلى الآلات