تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
وبالجملة لو لم يكن بين الرائي والمرئي متوسّط مشفّ لا يمكن الرؤية ، والمتوسّط إمّا هواء أو إتر أو غيرها ، والمخالف مكابر . ثمّ إنّ قوله عليه السّلام : الأسباب لا بدّ من اتّصالها بالمسبّبات . حكم كلَّيّ أصيل عقليّ ردّ على من زعم أنّ القول بتأثير الأسباب والوسائط ينافي كونه تعالى مستغنيا عن غيره ، ويفضي إلى إنكار معجزات الأنبياء عليهم السّلام والشرك باللَّه تعالى وغيرها من الأوهام الباطلة . كما ذهب إليه الأشاعرة وقالوا : إنّ استناد الآثار الصادرة عن الانسان وعن الطبائع وغيرها من الممكنات جميعا إلى واجب الوجود ابتداء من غير واسطة حتّى تسخين النار وتبريد الماء ، فلا النار سبب للإحراق ولا الماء للتبريد ولا الفكر لتحصيل النتيجة وهكذا الكلام في سائر الأسباب فيقول بجواز تخلَّف الاحراق عن النار والتبريد عن الماء والنتيجة عن المقدّمات الفكريّة إلَّا أنّ عادة اللَّه جرت بترتّب تلك الآثار عنها من غير تأثير لشيء منها فيها . والعقل بفطرته الأصليّة يكذّب هذا القول وينفر عنه والكلمات الالهيّة تنادي بأعلى صوتها بشناعته ، والموحّد مع أنه يرى الكلّ من الله تعالى ويقول بحقائق الايمان : ليس المؤثّر في الوجود إلَّا اللَّه ، يقول : أبى اللَّه أن يجري الأمور إلَّا بأسبابها ، ويرى ما سواه معدّات مسخّرات بأمره تعالى ، والمؤثّر في الحقيقة هو تعالى ومع ذلك يقول : لا يجوز تخلَّف المسبّبات عن الأسباب ، ونعم ما قاله الحكيم السبزواري في اللآلي المنتظمة عند الأقوال في نتيجة القياس :
والحقّ ان فاض من القدسي الصور وإنما إعداده من الفكر
قال تعالى في القرآن الكريم : * ( اللهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ فَتُثِيرُ سَحاباً فَيَبْسُطُه ُ فِي السَّماءِ كَيْفَ يَشاءُ وَيَجْعَلُه ُ كِسَفاً فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِه ِ ) * ( الروم - 48 ) فهو تعالى أرسل الرّياح ثمّ أسند إليها أنها تثير سحابا . وقال تعالى : * ( « وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّياحَ بُشْراً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِه ِ حَتَّى إِذا أَقَلَّتْ سَحاباً ثِقالًا سُقْناه ُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنا بِه ِ الْماءَ فَأَخْرَجْنا بِه ِ مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) *