* ( « وَأَفْئِدَتُهُمْ هَواءٌ » ) * أي خالية من العقل والتدّبر ، وقال جرير : ومجاشع قصب هوت أجوافه أي خلت أجوافه ، وفي الصحاح كلّ خال هواء ، وهدا هو المراد هنا لا الهواء المصطلح للطبيعيّين وهو جسم رقيق شفّاف كما حمله عليه صدر المتألَّهين قدّس سرّه وهذا الهواء الَّذي هو جسم رقيق عند العرف بمنزلة العدم .
والحاصل أنه لا بد للرؤية من فاصلة بين الرائي والمرئي ، ويتحقّق الفاصلة بعدم وجود جسم كثيف ، والأجسام الفلكيّة غير مانعة للرؤية لأنّها أشفّ وأرقّ من هذا الهواء المكتنف للأرض ، فهي بمنزلة الهواء فيكون الهواء في لغة العرب أقرب من البعد المفطور الَّذى يقول به بعض الفلاسفة ، انتهى موضع الحاجة من نقل كلامه .
أقول : لا كلام في أنّ الهواء أحد معانيه ما ذكره كما قدّمنا البحث عن ذلك في شرح الكتاب السابع ، ولكن ليس هذا المعنى بمراد في الحديث ، لبطلان الخلاء أوّلا ، وعدم تحقّق الرؤية بلا واسطة جسم شفاف بين الرائي والمرئي ثانيا وإن ذهب بعض إلى أنّ الواسطة كلَّما كانت أرقّ كانت الرؤية أولى وأسرع كالمرئي في الهواء والماء ثمّ قال بالقياس فلو كانت الواسطة خلاء محضا لكانت الرؤية أكمل لكن حجّته داحضة والحقّ أنّ في الرؤية لا بدّ من توسّط جسم شفّاف كما اختاره الحكيم المولى صدرا قدّس سرّه في آخر الباب الرابع من السفر الرابع من الأسفار ، وأقام فيه برهانا بما لا مزيد عليه حيث قال : « فصل » في أنه لا بدّ في الابصار من توسط الجسم الشفّاف . واعلم أنّ الحجة على ذلك أنّ تأثير القوى المتعلقة بالأجسام في شيء وتأثّرها عنه لا يكون إلَّا بمشاركة الوضع ومنشأ ذلك أنّ التأثير والتأثّر لا يكون إلَّا بين شيئين بينهما علاقة علَّيّة ومعلوليّة ، وهذه العلاقة متحقّقة بالذات بين القوة وما يتعلَّق به من مادّة أو موضوع أو بدن ، لأنّها إمّا علَّة ذاته أو علَّة تشخّصه أو كماله ، ومتحقّقة بالعرض بينها وبين ماله نسبة وضعيّة إلى ذلك المتعلَّق به ، فإنّ العلاقة الوضعيّة في الأجسام بمنزلة العلاقة العلَّيّة في العقليّات إذ الوضع هو بعينه نحو وجود الجسم وتشخّصه
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 269
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٦٩