بيان : سأل أبا عبد اللَّه عليه السّلام سائل عن معرفة العقل ، ولمّا كان درك حقيقته وعرفان ذاته للسائل في غاية الصعوبة والتعسّر جدّا ، بل قد أعجز الحكماء الراسخين وتحيّر عقول المتألَّهين النيل إلى عرفان ذاته ولذا تحيّروا في تحديده واختلفوا فيه ، عرّفه ببعض آثاره وخواصّه ، وهذا تعريف بالرّسم في اصطلاح أهل الميزان .
قال المحقّق الطوسيّ في أوائل شرحه على منطق الإشارات للشيخ الرئيس : قد يختلف رسوم الشيء باختلاف الاعتبارات ، فمنها ما يكون بحسب ذاته فقط ومنها ما يكون بحسب ذاته مقيسا إلى غيره كفعله أو فاعله أو غايته أو شيء آخر مثلا يرسم الكوز بأنه وعاء صفريّ أو خزفيّ كذا وكذا وهو رسم بحسب ذاته ، وبأنه آلة يشرب بها الماء ، وهو رسم بالقياس إلى غايته وكذا في سائر الاعتبارات .
انتهى كلامه .
فنقول : تعريفه عليه السّلام العقل في الحديث بأنّه ما عبد به الرّحمن واكتسب به الجنان رسم له بغايته فإنّ ما ينبغي للسائل أن يعرفه أو يتأتّي له عرفانه هذا الرّسم له نحو قوله تعالى : * ( « يَسْئَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَواقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ » ) * ( البقرة آية 187 ) .
وإنّما رسمه بذلك لأنّ اقتضاء العقل الناصع أعني المجرّد عن شوائب الأمور الماديّة الدّنيويّة الموجبة لبعده عن ساحة جناب الرّب جلّ جلاله هو ميله وارتقاءه إلى اللَّه تعالى ، لأنه من عالم الأمر يرتقي بالطبع إليه كما أنّ الحجر مثلا بالطبع يهبط إلى مكانه الطبيعي له قضاء لحكم الجنسيّة ، ونعم ما أشار إليه العارف الرّوميّ :
ذرّه ذرّه كاندرين أرض وسما است
جنس خود را همچو كاه وكهربا است
جان گشايد سوي بالا بالها
تن زده اندر زمين چنگالها
ولذا يستلذّ العقل من استفاضته من عالم القدس ، ويقوي ويتّسع وجودا من إفاضة الاشراقات النّوريّة الإلهيّة عليه ، فمقتضى طويّته وسجيّته التقرّب إلى