وبالجملة : أنّ السائل لما رأى جربزة معاوية ودهاه ومكره واحتياله في الأمور وطلب الفضول في الدّنيا التبس عليه الأمر فزعم أنّ تلك الرّويّة الرّديّة الدنيّة الدنيويّة كانت في معاوية عقلا فعدّه من العقلاء كما يزعم الجهّال لبعدهم عن الأنوار العلميّة من كان له شيطنة في اقتراف الأغراض الشهوانيّة والزّخارف الدّنياويّة عاقلا ، فأجابه عليه السّلام دفعا لا لتباسه وتوضيحا لمسألته أنّ تلك القوّة الحاكمة على معاوية هي النكراء .
والنّكراء بفتح الأوّل وسكون الثاني الدهاء والفطنة والمنكر ، قال الجوهريّ في الصحاح : النّكر « بضم الأوّل وسكون » المنكر ، قال اللَّه تعالى : * ( « لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً » ) * ( الكهف - 75 ) وقد يحرّك مثل عسر وعسر . قال الشاعر : وكانوا أتوني بشيء نكر ، والنّكراء مثله . انتهى قوله .
أقول : والمنكر كلّ فعل وقول تقبّحهما العقول الصحيحة الناصعة أو ما تعجز عن درك استحسانه واستقباحه فتتوقف فيه فيحكم بقبحه الشرع ، فالنكراء كلّ ما قبّحه العقل أو الشرع .
ثمّ أعاد عليه السّلام اسم الإشارة تأكيدا وتنصيصا بأنّ تلك القوّة النكراء شيطنة أي الأفعال البارزة من معاوية ليست ممّا يأمره العقل لأنّ العقل يسلك إلى ما فيه عبادة الرّحمن واكتساب الجنان ، وكلّ ما ليس كذلك فلا يأمر به بل ينكره وينهى عن ارتكابه ، ومنهيّات العقل ومنكراته ما يوسوس بفعلها الشيطان السائق إلى التمرّد والعصيان .
ولمّا كان الجهّال رأوا أنّ علل المعلولات المختلفة تجب أن تكون مختلفة وزعموا بالقياس أنّ الآثار المتقاربة والمعلولات المتشابهة تجب أن تكون مستندة إلى العلل المتشابهة أيضا ، وما زادهم ذلك القياس إلَّا بعدا عن الحقّ ، ولذا يعدّون معاوية وأشباهه السفهاء من العقلاء ، بيّن الإمام عليه السّلام بأنّ المعلولات المتشابهة قد تكون مستندة إلى العلل المختلفة أيضا . فمجرّد اشتراك القوّتين في بعض الآثار كجلب نفع ودفع ضرّ وسرعة التفطَّن وجودة الحدس وأمثالها لا يوجب
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 228
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٢٨