المعنى
قوله عليه السّلام : ( فقد أتتني منك موعظة موصّلة ) كأنما شبّه عليه السّلام كتابه بثوب موصّل أي مرقّع والمراد أنّها ملفّقة من كلمات مختلفة وجمل غير مناسبة وصل بعضها ببعض .
أو المراد أنها موعظة مجموعة ملتقطة من ألفاظ الناس ، لا أنّها من منشاته وممّا تكلَّم بها مرتجلا ، وكأنّما المعنى الأوّل أظهر .
قوله عليه السّلام : ( ورسالة محبّرة ) أي أتتني منك رسالة أتعبت نفسك في تقريرها وزيّنت ألفاظها بالتكلَّف والتصنّع ، لما دريت في بيان اللَّغة أنّ المحبّر من يحسّن الشعر والخطَّ وغيرهما ، وبالجملة فيه إشارة لطيفة إلى أنّ الرّجل كان في ميدان الكلام راجلا لا مرتجلا .
قوله عليه السّلام : ( نمّقتها بضلالك ) قد بيّنا في الاعراب أنّ الباء هذه سببيّة ، والمعنى أتتني رسالة زيّنتها وزوّقتها بسبب ضلالك ، وسرّ ذلك أنّ كلّ فعل إذا لم يكن على اعتقاد وحقيقة لا يقع في محلَّه على ما ينبغي ، ولا يصدر من الفاعل على ترتيب حسن ونظم متين ، لأنّه عمل قسريّ خارج عن سجيّة الطبع واقع بالتكلَّف فلا يرجى منه حسن الوقوع والنضد ، نظير ما قاله أبو الحسن عليّ بن محمّد التهاميّ :
ومكلَّف الأيّام ضدّ طباعها
متطلَّب في الماء جذوة نار
فإذا لا بدّ لهذا العامل من أن غير طويّة الطبع أن ينمّق عمله ثانيا ويزيّنه ليقرب من موقع ما وقع بغير تكلَّف .
فنقول : لمّا كان معاوية عالما بأنّ أمير المؤمنين عليّا عليه السّلام كان على بيّنة من ربّه ، وأنّ الحقّ كان معه عليه السّلام حيث دار كان كتابه الَّذي كتبه إليه عليه السّلام على التكلَّف والتصنّع لا محالة ، فلو لا ضلاله عن الحقّ لما يحتاج كتابه إلى التنميق لأنّه كان كتابا صادرا بالطبع ولم يكن مضطربا مشوشا حتّى يلوح منه أثر الكلفة المحتاج إلى التزيين .
قوله عليه السّلام : ( وأمضيتها بسوء رأيك ) أي أنفذت تلك الرسالة وبعثتها إليّ بسبب سوء رأيك بي ، ومن سوء رأيه به اختلق عليه عليه السّلام بأنه قتل عثمان وأعرض عن