فوقك وأميرك جعلك راعيا للنّاس وعاملا لهم وأمينا وحافظا على أموالهم وأملاكهم وغيرها ممّا جعل ولايتها بيدك فلا يجوز لك أن تسبق إلى أمور الرّعيّة من غير أن تستأذن من استرعاك وتستأمر من ائتمنك ، وكذا لا يسوغ لك أن تقدم في الأمور الخطيرة ممّا يتعلَّق بالمال وغيره من غير احتياط تامّ ووثيقة ، أي من غير أن يكون للمسلمين وثوق واعتماد في صحّة ذلك العمل وعدم الإضرار بالرّعيّة ، وبالجملة لا ينبغي لك أن تقدم فيما لا يثق المسلمون ببا ولا يعتمدون عليها ممّا هي خلاف العقل والشرع والعرف .
قوله عليه السّلام ( وفي يديك - إلى قوله : تسلَّمه ) لعلّ تثنية اليد إشارة إلى تسلَّطه التامّ على الأموال حيث كان عاملا وواليا ، وإنما قال : مال من أموال اللَّه تشديدا عليه بالحفظ والحراسة وترعيبا له بالمخالفة حتّى لا يخون اللَّه تعالى في ماله بأنّ الزكاة والخمس من مال اللَّه الَّذي أفاه على عباده قال تعالى * ( وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّه ِ خُمُسَه ُ وَلِلرَّسُولِ ) * الآية ، ثمّ قال له : وأنت من خزّاني أي لا يجوز لك التصرّف فيما في الخزينة إلَّا بإذني ويجب عليك حفظه ورعايته إلى أن تسلَّمها إليّ .
قوله عليه السّلام ( ولعلَّي أن لا أكون - إلخ ) لمّا كان كلامه المصدّر أوّلا تشديدا ومؤاخذة عليه وموجبا للوحشة والاضطراب فإنه كان يدلّ على أنّه عليه السّلام لم يره أمينا على ما ولَّى عليه أتى بلفظة لعلّ المفيد للتّرجّي حتّى يسكن جاشه ويطمعه إلى عدم المؤاخذة والتشديد لئلَّا يفرّ إلى العدوّ ويجعله خائفا راجيا فلا يخفى لطفه على أنّ الرجاء بعد الخوف ألذّ في النفوس وأوقع في القلوب .
ومع ذلك كلَّه أعلمه بأنّه لو تجاوز عن الحقّ وخالف الدّين يكون هو عليه السّلام شرّ ولاته له ، أي يجازيه بما فعل ويؤاخذ عليه بذنبه . وكلامه هذا تعريض لسائر الولاة والعمّال أيضا إنّهم لو عدلوا عن الحقّ وجعلوا أموال الناس طعمة لهم كان هو عليه السّلام شرّ ولاة لهم أي يكافأهم على ما كان منهم ، ويجازيهم به
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 186
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٨٦