والمبيع والمشتري وصاحب الدّرك ، فالمراد أنّ ملك الموت متعهّد ومتكفّل باحضارهم جميعا إلى موقف العرض والحساب للفصل والقضاء .
قوله عليه السّلام : ( شهد على ذلك العقل إذا خرج من أسر الهوى وسلم من علائق الدّنيا ) لمّا بيّن حكم الدّرك أردفه بذكر الشهود كما هو السنّة المتعارفة في سائر القبالة وجعل العقل شاهدا على ما قال .
ثمّ إنّ ههنا دقيقة أنيقة وهي أنّ الشاهد لا بدّ من أن يكون عادلا ، وإنما قيّد عليه السّلام شهد على ذلك العقل بقوله : إذا خرج من أسر الهوى وسلم من علائق الدّنيا ، ليفيد هذا المعنى ، أعني أن يأتي بالشاهد العادل على ما كتب ، وذلك لأنّ تلك القوّة القدسيّة الملكوتيّة أعني العقل لمّا تعلَّق بشرك البدن وألف مجاورة الخراب البلقع وصار حشره مع الماديّات قد يتأثّر عن البدن وقواه الحيوانيّة وغيرهما ، فيعرض له من غيره ما يشغله عن فعل نفسه ، لأنّ تلك العوائق كاللَّصوص القطَّاع لطريقه تمنعه عن الوصول إلى صريح الحقّ ومحض الحكم العقلي ، فلو لم يجرّد عنها سيّما عن النفس الأمّارة بالسوء وحبّ الدّنيا وأسر الهوى وقيد الأوهام كان حكمه مزوقا مشوبا بالباطل ، فلم يكن حينئذ شاهدا عادلا ، فلا يخفى لطفه .
فالمراد أنّ العقل لو خلَّي وطبعه بحيث لم يكن مأسورا في قيد الهوى وعلائق الدّنيا يشهد على أنّ لنحو هذا المشتري خسران الدارين ، وفي نحو هذا المبيع يلزم تلك الآفات والمصيبات عليه وغيرهما ممّا هي مذكورة في القبالة .
ثمّ الحقّ أنّ الرّضيّ رضي الله عنه لم يذكر الكتاب بتمامه ، لأنّ غرضه كان جمع المختار من كلامه عليه السّلام كما صرّح في عدّة مواضع النهج بأنّ ما أتى به هو بعض تلك الخطبة أو ذلك الكتاب أو نحوهما ، والكتاب بتمامه هو ما في النسختين الأخريين وإن كان بينهما اختلاف ما في بعض العبارات ، فنذكر بعض ما في الأربعين وبيان الشيخ فيه : قوله عليه السّلام : ( في عرصاتها ) أي ساحاتها والضمير إمّا للدار أو للدّنيا والأوّل أقرب وإن كان أبعد .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 141
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٤١