ولمّا كان الموت هو السائق الَّذي يسوق الخلق بأجمعهم طوعا وكرها إلى موقف القيامة ليقضي بينهم الحكم العدل وينتصف من المعتدي للمعتدى عليه شبّهه عليه السّلام بشخص ضمن الدرك فتعهد أن يحضر كلّ من له دخل في هذه المعاملة إلى دار القضاء ليحكم بينهم ويقضي لمن له الحقّ بحقه .
هذا ما خطر بالبال في معنى هذا الكلام ولعلّ أمير المؤمنين عليه السّلام أراد معنى آخر غير هذا لم يهتد نظري الكليل إليه ، وثمّ يعثر فكري العليل عليه ، والله أعلم بحقيقة الحال . انتهى كلامه رفع مقامه .
وذكر قريبا من هذه الإشارة أو عينها على عبارات اخر العلَّامة المجلسي في المجلَّد التاسع من البحار ( ص 545 الطبع الكمباني ) أيضا .
أقول : الحقّ أنّ هذا التوجيه وجيه في نفسه ولكنه ليس معنى كلامه عليه السّلام بل تأويل يناسبه ويستفاد منه كالتأويلات المذكورة في طائفة من التفاسير وشروح الأخبار المناسبة للآيات والأخبار .
مثلا أنّ النيشابوري ذكر في تفسيره غرائب القرآن التأويل الآتي من قوله تعالى * ( « وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِه ِ إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً ) * - إلى قوله تعالى - * ( وَإِنَّ مِنْها لَما يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ » ) * ( البقرة - 65 - إلى 71 ) ونعلم يقينا أنّ هذا التأويل ليس تفسير كلامه تعالى وإن كان لا يخفى من لطافة من حيث التشبيهات والمناسبات وهو صرّح بذلك أيضا حيث قال بعد تفسيره الآيات ما هذا لفظه : التأويل : ذبح البقرة إشارة إلى ذبح النفس البهيميّة فإنّ في ذبحها حياة القلب الرّوحاني وهو الجهاد الأكبر ، موتوا قبل أن تموتوا .
اقتلوني يا ثقاتي إنّ في قتلي حياتي
وحياتي في مماتي ومماتي في حياتي
مت بالإرادة تحي بالطبيعة ، وقال بعضهم : مت بالطبيعة تحي بالحقيقة ، ما هي أنّه بقرة نفس تصلح للذبح بسيف الصدق ، لا فارض في سنّ الشيخوخة فيعجز عن رضايف سلوك الطريق لضعف القوى البدنيّة كما قيل : الصوفي بعد الأربعين