والغرض منها رفع ما يسبق إلى الأوهام العامية من أنّ الكثرة دليل الحقيّة والقلَّة دليل البطلان ، ولذا يميل أكثر الناس إلى السواد الأعظم مع أنّ في أعصار جميع الأنبياء كان أعداؤهم أضعاف أتباعهم وأوليائهم .
روى في البحار من الكافي باسناده عن سماعة بن مهران قال : قال لي عبد صالح عليه السّلام يا سماعة امنوا على فرشهم وأخافونى أما واللَّه لقد كانت الدّنيا وما فيها إلَّا واحد يعبد اللَّه ولو كان معه غيره لأضافه اللَّه عزّ وجلّ إليه حيث يقول : * ( إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتاً لِلَّه حَنِيفاً ولَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) * فصبر بذلك ما شاء اللَّه ، ثمّ إن اللَّه آنسه بإسماعيل وإسحاق فصاروا ثلاثة أما واللَّه إنّ المؤمن لقليل وإنّ أهل الكفر كثير أتدري لم ذلك فقلت : لا أدرى جعلت فداك ، فقال : صيروا انسا للمؤمنين يبثّون إليهم ما في صدورهم فيستريحون إلى ذلك ويسكنون إليه .
قال المحدّث العلامة المجلسيّ بعد نقله : قوله : وأخافوني ، أي بالإذاعة وترك التقيّة ، والضمير في أمنوا راجع إلى المدّعين للتشيّع الَّذين لم يطيعوا أئمتهم في التقيّة وترك الإذاعة وأشار بذلك إلى أنّهم ليسوا بشيعة لنا ، وقوله وإنّ أهل الكفر كثير المراد بالكفر هنا المقابل للايمان الكامل كما قال تعالى * ( وما يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِالله إِلَّا وهُمْ مُشْرِكُونَ ) * وقوله : أتدري لم ذاك أي قلَّة عدد المؤمنين مع أنّهم بحسب الظاهر كثيرون أو لأنّ اللَّه لم جعل هؤلاء في صورة المؤمنين ، والمعني أنّ اللَّه جعل هؤلاء المتشيّعة انسا للمؤمنين لئلَّا يستوحشوا لقلَّتهم أو يكون علَّة لخروج هؤلاء عن الايمان ، فالمعني أنّه جعل المخالفين انسا للمؤمنين فيبثّون أي المؤمنون إلى المخالفين أسرار أئمّتهم فبذلك خرجوا عن الايمان .
ويؤيد الاحتمالات المتقدّمة ما رواه علىّ بن جعفر قال : سمعت أبا الحسن عليه السّلام يقول : ليس كلّ من يقول بولايتنا مؤمنا ولكن جعلوا انسا للمؤمنين .
وفى البحار من الكافي عن حمران بن أعين قال : قلت لأبى جعفر عليه السّلام : جعلت فداك ما أقلَّنا لو اجتمعنا على شاة ما أفنيناها فقال عليه السّلام : ألا احدّثك بأعجب
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 385
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٨٥