يعرض لبعضهم من الوسوسة بأنّهم ليسوا على الحقّ لقلَّتهم وكثرة مخالفيهم ، وأيضا قلَّة العدد في الطَّرق الحسيّة مظنّة الهلاك والسّلامة مع الكثرة فنبّههم عليه السّلام على أنهم في طريق الهدى والسلامة وإن كانوا قليلين وأنّ طرق الآخرة لا تقاس بطرق الدّنيا .
ثمّ نبّه على قلَّة أهل الهدى بأنّ أغلب الناس مفتونون بحبّها الصارف لهم عن طريق الهدى إلى طريق الرّدى فقال : ( فانّ الناس اجتمعوا على مائدة ) استعارها للدّنيا والجامع كونهما مجتمع اللَّذات وتفرعها بأنّ ( شبعها قصير وجوعها طويل ) وكنّى بقصر شبعها عن قصر مدّتها وبطول جوعها عن استعقاب الانهماك فيها للعذاب الطويل في الآخرة .
قال الشارح البحراني : لفظ الجوع مستعار للحاجة الطويلة بعد الموت إلى المطاعم الحقيقية الباقية من الكمالات النفسانية الفانية بسبب الغفلة في الدّنيا ، فلذلك نسب الجوع إليها .
وكيف كان ففيه تنفير للمخاطبين من الاجتماع على تلك المائدة مع المجتمعين عليها من أهل الدّنيا وحثّ لهم على الاجتماع على مائدة شبعها طويل وجوعها قصير مع المجتمعين عليها من أهل الآخرة .
وانما يحصل ذلك بسلوك صراطهم المستقيم المؤدّى إلى جنّة النعيم عرضها السماوات والأرض اعدّت للمتقين ، أولئك لهم رزق معلوم ، فواكه وهم مكرمون ، على سرر متقابلين ، يطاف عليهم بكأس من معين ، بيضاء لذّة للشاربين ، وفاكهة مما يتخيّرون ، ولحم طير مما يشتهون ، يسقون من رحيق مختوم ، ختامه مسك وفى ذلك فليتنافس المتنافسون ، هذا .
وأما قلَّة أهل الهدى فقد أشير إليها في كثير من آيات الكتاب العزيز وفى أخبار أهل البيت عليهم السّلام ، وقد مدح اللَّه القليل وذمّ الكثير في كثير من آي التنزيل قال تعالى * ( يَعْمَلُونَ لَه ما يَشاءُ مِنْ ) * وقال * ( وقَلِيلٌ ما هُمْ ) * وقال * ( حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وفارَ ) * وقال * ( بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ) * وقال أكثرهم لا يشعرون .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 384
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٨٤