فقيل : إنّ المراد به عرضها على نفس الأرض والسّماء وإنّه تعالى لمّا خلق هذه الأجرام خلق فيها فهما وقال : إنّى فرضت فريضة وخلقت جنّة لمن أطاعني ونارا لمن عصاني : فقلن : نحن مسخّرات لأمرك لا نحتمل فريضة ولا نبتغي ثوابا ولا عقابا ، ولمّا خلق آدم عرض عليه مثل ذلك فحمله وكان ظلوما لنفسه بتحمّلها ما يشقّ عليها ، جهولا لو خامة عاقبته .
وهذا القول أعني عرضها على نفس السّماوات والأرض مرويّ عن ابن عبّاس ويدلّ عليه ظاهر كلام أمير المؤمنين عليه السّلام في المتن حيث قال : وعقلن ما جهل من هو أضعف منهنّ .
ويشهد به أيضا ما رواه في البحار وغاية المرام من مناقب أبى بكر الشيرازي في نزول القرآن في شأن علىّ عليه السّلام بالاسناد عن مقاتل عن محمّد بن حنفيّة عن أمير المؤمنين في قوله * ( « إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ » ) * عرض اللَّه أمانتي على السماوات السبع بالثواب والعقاب فقلن ربنا لا نحملنها بالثواب والعقاب ولكنا نحملها بلا ثواب ولا عقاب ، وانّ اللَّه عرض أمانتي وولايتي على الطيور ، فأوّل من آمن بها البزاة البيض والقنابر وأوّل من جحدها البوم والعنقا ، فلعنهما اللَّه تعالى من بين الطيور ، فأما اليوم فلا تقدر أن تظهر بالنهار لبغض الطير لها ، وأما العنقا فغابت في البحار وإنّ اللَّه عرض أمانتي على الأرضين فكلّ بقعة آمنت بولايتي جعلها طيبة زكية وجعل نباتها وثمرتها حلوا عذبا وجعل ماءها زلالا ، وكلّ بقعة جحدت إمامتى وأنكرت ولايتي جعلها سبخا وجعل نباتها مرّا علقما ، وجعل ثمرها العوسج والحنظل ، وجعل ماءها ملحا أجاجا ثمّ قال : وحملها الانسان ، يعنى أمتك يا محمّد ولاية أمير المؤمنين وامامته بما فيها من الثواب والعقاب ، إنه كان ظلوما لنفسه جهولا لأمر ربّه ، من لم يؤدّها بحقّها ظلوم غشوم .
ومحصّل هذا القول أنّ المراد بالأمانة التكليف بالعبوديّة على وجهها والتقرّب بها إلى اللَّه سبحانه كما ينبغي لكلّ عبد بحسب استعداده لها ، وأعظمها الولاية والخلافة الالهيّة ، ثمّ تسليم من لم يكن من أهلها لأهلها وعدم ادّعاء منزلتها لنفسه ، ثمّ ساير
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 337
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٣٧