تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 334

مساهمون:

ص٣٣٤
( فقد ) علم من ذلك أنّه ( خاب من ليس من أهلها ) أي خسر في الدنيا وفي الآخرة من لم يكن من أهلها ، بل كان من أهل الخيانة ، فانّ الخيانة حسبما عرفت تجلب الفقر في الدّنيا والنار في العقبى وخسر أهلها خسرانا عظيما . وان شئت أن تعرف عظم الخطب ومزيد ثقل التّكليف فيها فاستمع لما يتلى عليك من قوله : ( إنّها عرضت على السّماوات المبنيّة والأرضين المدحوّة ) المبسوطة على الماء ( والجبال ) الرّاسيات ( ذات الطول المنصوبة ) المرفوعة على الأرض ولكنّها مع أنّها أعظم ما خلق اللَّه عزّ وجلّ في الكون ( فلا أطول ولا أعرض ولا أعلى ولا أعظم منها ) امتنعن من حمل هذا التكليف ، أي تكليف الأمانة وأبين أن يحملنها لثقلها وصعوبتها لا للعظمة والاستكبار عن الطاعة ، بل للخوف والاشفاق من المعصية . ( ولو امتنع شيء بطول أو عرض أو قوّة أو عزّ لامتنعن ) بل كنّ أولى بالامتناع بما لهنّ من أوصاف العظمة التي ليست في غيرهنّ ( ولكن أشفقن من العقوبة وغفلن ما جهل من هو أضعف منهن وهو الانسان ) فحملها مع ما به من الضعف والنقصان ( انّه كان ظلوما جهولا ) قال الشارح البحراني : وذكر كون السماوات مبنيّة والأرض مدحوّة والجبال بطولها وعرضها وعظمتها ، تنبيه للانسان على جرئته على المعاصي وتضييع هذه الأمانة إذا هي لها وحملها وتعجب منه في ذلك ، فكأنّه يقول : إذا كانت هذه الأجرام العلوية التي لا أعظم منها قد امتنعت من حمل هذه الأمانة حين عرضت عليها فكيف حملها من هو أضعف منها . أقول : تحقيق هذا المقام يحتاج إلى بسط الكلام . قال اللَّه تعالى في سورة الأحزاب * ( إِنَّا عَرَضْنَا الأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ والأَرْضِ والْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وأَشْفَقْنَ مِنْها وحَمَلَهَا الإِنْسانُ إِنَّه كانَ ظَلُوماً جَهُولًا ) * . وقد اختلف أقوال المفسّرين كالأخبار في تفسير هذه الآية في مواضع :