تعالى في وصف القرآن * ( هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ ولِيُنْذَرُوا بِه ) * أي موعظة بالغة كافية ، وعلى المعنيين فلا بد من جعل المصدر بمعنى الفاعل أي جعله عزّ وجلّ مبلَّغا للرسالة أو كافيا لها أي غير محتاج معه إلى رسول آخر ، ولذلك كان صلَّى اللَّه عليه وآله خاتم النّبوة .
( وكرامة لامّته ) أي أكرمهم عزّ وجلّ بجعله رسولا لهم وجعلهم امّة له صلَّى اللَّه عليه وآله وفضّلهم بذلك على ساير الأمم .
( وربيعا لأهل زمانه ) تشبيهه بالرّبيع إمّا من أجل ابتهاجهم ببهجة جماله وبديع مثاله كما يبتهج النّاس بالرّبيع ونضراته وطراوته ، أو من أجل أنّ أهل زمانه قد خرجوا بوجوده الشريف من ضنك المعيشة إلى الرّخا والسعة ، كما أنّ الناس يخرجون في الرّبيع من جدب الشتاء وضيق عيشها إلى الدّعة والرفاهة .
( ورفعة لأعوانه وشرفا لأنصاره ) يحتمل رجوع الضميرين إلى اللَّه كما في الفقرة الأولى وإلى محمّد صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم كما في الفقرتين الأخيرتين ، وعلى أىّ تقدير فالمراد بالأعوان والأنصار المسلمون أمّا كونهم أنصارا له صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فواضح ، وأمّا جعلهم أنصارا وعونا للَّه عزّ وجلّ على الاحتمال الأول فلكونهم أنصار دين اللَّه وأعوان رسوله ، أضافهما إليه تعالى تشريفا وتكريما .
وكيف كان فقد شرف اللَّه تعالى المسلمين ورفع شأنهم في الدّنيا والآخرة بمتابعتهم لرسوله ومعاونتهم له وسلَّطهم على محادّيه وجاحديه لعنهم اللَّه تعالى وعذّبهم عذابا أليما ، هذا .
ولمّا ذكر بعثة النّبي صلَّى اللَّه عليه وآله وأشار إلى بعض فوايد بعثه أردفه بذكر أعظم معجزات النّبوة وهو الكتاب العزيز ، وأشار إلى جملة من أوصافه ومزاياه تنبيها على علوّ قدره وعزّة شأنه فقال : ( ثمّ أنزل عليه الكتاب ) وعدّ به اثنين وأربعين منقبة .
أولها كونه ( نورا لا تطفى مصابيحه ) أمّا أنّه نور فلاهتداء النّاس به من ظلمات الجهل كما يهتدى بالنور المحسوس في ظلمة اللَّيل قال تعالى * ( إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ) * وأمّا مصابيحه فاستعارة لطرق الاهتداء وفنون العلوم الَّتي تضمّنها القرآن .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 304
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٠٤