( وانفرجت عنه الأمواج بعد تراكمها ) أي انكشفت عنه أمواج الفتن الدّنيوية بعد تراكمها وكثرتها ، وذلك لأنّ الاخذ بالتقوى لكونه بمعزل من الدّنيا وأهلها سالم من الفتن والمحن التي ابتلي بها أهلها .
( وأسهلت له الصّعاب بعد انصبابها ) أي صارت الأمور الصعبة والمشاق النفسانية سهلة له بعد ايقاعها إياه في النصب والتعب ، وذلك لما عرفت آنفا من أنّ المتّقى لمعرفته بعظم ما يترتّب على طاعته وتقواه من الثمرات الأخروية يسهل عليه كلّ خطب ويهون له الشدائد ( وهطلت عليه الكرامة بعد قحوطها ) شبه كرامة اللَّه سبحانه الشاملة للمتقى بالمطر العظيم القطر المتتابع على سبيل الاستعارة المكنية ، وإثبات الهطل تخييل والقحوط ترشيح . ونظيرها الفقرتان المتقدّمتان فإنهما أيضا من قبيل الاستعارة المكنية التخييلية الترشيحية .
والمراد أنّ أهل التقوى انصبت عليه وتتابعت في حقه كرامة اللَّه العزيز عزّ وجلّ بسبب اتصافه بالتقوى بعد احتباسها ومنعها عنه ، وذلك قبل أن يستعدّ بالتقوى لها ويشهد بذلك أي بإفاضة كرامته على المتقي صريحا نصّ قوله سبحانه * ( يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ ) * .
( وتحدبت عليه الرحمة بعد نفورها ) أي تعطفت عليه الرحمة الإلهية بعد ما كانت نافرة عنه حين ما لم يكن متصفا بالتقوى ومستعدا لها ، وهذه الفقرة أيضا مثل سوابقها حيث شبه الرحمة بالناقة العاطفة على ولدها على سبيل الاستعارة بالكناية وأثبت التحدّب تخييلا والنفور ترشيحا .
( وتفجّرت عليه النّعم بعد نضوبها ) إمّا استعارة مكنية مثل ما مرّت تشبيها للنعم بالينابيع الجارية المنفجرة ، فيكون ذكر التفجّر والنضوب تخييلا وترشيحا ، أي انفجرت عليه ينابيع النعم بعد اغورارها .
ويجوز أن يراد بالتفجر التتابع بعلاقة الملازمة فيكون مجازا مرسلا ، والنعم قرينة التجوز أو أريد بالتفجر الإفاضة والجامع التتابع والدوام فيكون استعارة تبعية وعلى هذين الاحتمالين فيراد بالنضوب الفقدان مجازا ولا يخفى على المتدبّر أنّ هذين الاحتمالين يأتيان أيضا في بعض القراين المتقدّمة كالقرينة المتأخّرة أعنى قوله :
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 280
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٨٠