( وقال ) في سورة الحديد * ( ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَه ُ لَه ُ وَلَه ُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) ) * ونحوه في سورة البقرة إلَّا أنّ فيها بدل قوله : * ( وَلَه ُ أَجْرٌ كَرِيمٌ ) * : * ( أَضْعافاً كَثِيرَةً ) * .
قال في مجمع البيان : ثمّ حث اللَّه سبحانه على الانفاق فقال * ( مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ ) * أي ينفق في سبيل اللَّه وطاعته ، والمراد به الأمر * ( « قَرْضاً حَسَناً » ) * والقرض الحسن أن ينفق من حلال ولا يفسده بمنّ ولا أذى ، وقيل : هو أن يكون محتسبا طيّبا به نفسه ، وقيل : هو أن يكون حسن الموقع عند الانفاق فلا يكون خسيسا ، والأولى أن يكون جامعا لهذه الأمور كلَّها فلا تنافي بينها * ( « فَيُضاعِفَه ُ لَه ُ » ) * أي يضاعف له الجزاء من بين سبع إلى سبعين إلى سبعمائة * ( « وَلَه ُ أَجْرٌ كَرِيمٌ » ) * أي جزاء خالص لا يشوبه صفة نقص ، فالكريم الَّذي من شأنه أن يعطى الخير الكثير فلما كان ذلك الأجر يعطى النفع العظيم وصف بالكريم والأجر الكريم هو الجنّة .
ولما كان ظاهر النصرة موهما لكونها من الذلَّة ، وظاهر القرض موهما لكونه من القلَّة أردف ذلك من باب الاحتراس بقوله ( فلم يستنصركم من ذلّ ولم يستقرضكم من قلّ ) أي ليس استنصاره واستقراضه من أجل الذلَّة والقلَّة حسبما زعمته اليهود وقالوا : إنما يستقرض منّا ربّنا عن عوز فإنما هو فقير ونحن أغنياء فأنزل اللَّه سبحانه * ( لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِياءُ ) * بل سمّى نصرة دينه ونبيّه نصرة له والانفاق في سبيله قرضا تلطَّفا للدّعاء إلى فعلهما وتأكيدا للجزاء عليهما ، فانّ النّصر يوجب المكافاة والقرض يوجب العوض .
وإليه أشار بقوله ( استنصركم وله جنود السّموات والأرض وهو العزيز الحكيم ) يعني أنّه عزيز في سلطانه أي قادر قاهر لا يتمكَّن أحد أن يمنعه من عذاب من يريد عذابه ، ذو قدرة على الانتقام من أعدائه ، وانّه حكيم في أفعاله واضع كلَّا منها في مقام صالح له ولايق به .
( واستقرضكم وله خزائن السّموات والأرض وهو الغنيّ الحميد ) يعني غنيّ بنفسه عن غيره غير مفتقر إلى شيء من مخلوقاته ومحمود في أفعاله وصنايعه وأحكامه
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 405
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٤٠٥