عن توجّهه إلى سائل آخر ، وذلك لقصور ذواتنا وقدرتنا وعلمنا ، وأمّا اللَّه الحيّ القيّوم فلكمال ذاته وعموم قدرته وإحاطته فلا يمنعه سؤال عن سؤال ولا يشغله شأن عن شأن .
ألا ترى أنّه يرزق الخلايق جميعا على قدر استحقاقهم في ساعة واحدة ، وكذا يحاسبهم يوم القيامة دفعة كما قال عزّ من قائل في سورة النحل : * ( وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ) * ، أي كرجع الطرف على الحدقة إلى أسفلها أو هو أقرب لأنه يقع دفعة وقال في سورة القمر : * ( وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ ) * ، قال القمّى : يعنى يقول كن فيكون .
( و ) الرابع أنه ( لا ينقصه نائل ) وعطاء كملوك الدّنيا إذ مقدوراته تعالى غير متناهية فكرمه لا يضيق عن سؤال أحد ، ويده بالعطاء أعلى من كلّ يد ، وهو نظير قوله في الفصل الأوّل من المختار التسعين : لا يعزّه المنع والجمود ولا يكديه الإعطاء والجود ، وقد مرّ في شرحه رواية الحديث القدسي وهو قوله سبحانه : يا عبادي لو أنّ أوّلكم وآخركم وانسكم وجنّكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كلّ إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي شيئا إلَّا كما ينقص المخيط إذا دخل البحر أي لا تنقصه شيئا فانّ المخيط وإن كان يرجع بشئ محسوس قليل ، لكنّه لقلَّته لا يعدّ شيئا فكأنّه لم ينقص منه شيء ( و ) الخامس أنّه ( لا ينظر بعين ) أي ليس إدراكه بحاسّة البصر وإن كان بصيرا لتنزّهه عن المشاعر والحواسّ .
( و ) السادس أنه ( لا يحدّ بأين ) لأنّ الأين عبارة عن نسبة الجسم إلى المكان وهو سبحانه منزّه عن ذلك لبرائته عن التحيّز روى في البحار من التوحيد عن أبي عبد اللَّه عليه السّلام قال : أتى رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم يهودي يقال له شجت فقال : يا محمّد جئت أسألك عن ربّك فان أجبتني عما أسألك عنه وإلَّا رجعت ، فقال له : سل عما شئت ، فقال : أين ربّك فقال : هو في كلّ مكان وليس هو في شيء من المكان بمحدود ، قال : فكيف هو فقال : وكيف أصف ربّى بالكيف
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 318
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣١٨