( و ) الثاني أنه ( لا يقدّر بفهم ) أي لا يحدّ بفهم العقول ، والمراد به وبسابقه تنزيهه سبحانه عن إدراك العقول والأوهام لذاته وقصورها عن الوصول إلى حقيقته ، وقد مرّ برهان ذلك في شرح الفصل الثاني من الخطبة الأولى وغيره أيضا . وأقول هنا إنّ الجملة الثّانية يحتمل أن تكون تأكيدا للجملة الأولى ، ويحتمل أن تكون تأسيسا . أما التأسيس فعلى أن يراد بالجملة الأولى عدم إمكان إدراك القوّة الوهميّة له وهى قوّة جسمانيّة للانسان محلَّها آخر التجويف الأوسط من الدّماغ من شأنها إدراك المعاني الجزئية المتعلَّقة بالمحسوسات كشجاعة زيد وسخاوته ، وهذه القوّة هي الَّتي تحكم في الشاة بأنّ الذئب مهروب عنه وأنّ الولد معطوف عليه ، وهى حاكمة على القوى الجسمانية كلَّها مستخدمة إياها استخدام العقل للقوى العقليّة ، ويراد بالجملة الثانية عدم امكان تقديره وتحديده بالقوّة العقلية . أمّا عدم إمكان إدراك الأوهام له فلأنّ مدركاتها منحصرة على عالم المحسوسات والأجسام والجسمانيات ، واللَّه سبحانه متعال عن ذلك . وأمّا عدم إمكان تحديد العقول فلأنّه ( 1 ) لا جزء له وما لا جزء له لا حدّ له حتّى يمكن تحديده . وأيضا فهو سبحانه غاية الغايات فليس لذاته حدّ ونهاية حتّى يكون له حدّ معيّن وقدر معلوم يمكن تقديره وتحديده كما لساير الممكنات ، قال عزّ من قائل : * ( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِه ِ ) * . وقال أمير المؤمنين عليه السّلام في خطبة له مروية عن التوحيد لما شبهه العادلون بالخلق المبعض المحدود في صفاته ذي الأقطار والنواحي المختلفة في طبقاته وكان عزّ وجل الموجود بنفسه لا بأداته انتفى أن يكون قدّروه حقّ قدره فقال تنزيها لنفسه عن مشاركة الأنداد وارتفاعها عن قياس المقدّرين له بالحدود من كفرة العباد : * ( وَما قَدَرُوا اللهَ حَقَّ قَدْرِه ِ ) * .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 316
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣١٦
هامش
( 1 ) والا لزم التركيب المستلزم للافتقار وهو من صفات الممكن « منه ره »