فقد علم بذلك أنّه لا يقدّر بالحدود والنهايات الجسمانيّة كما أنه لا يقدّر ولا يحدّ بالحدّ العقلي المركَّب من الجنس والفصل وأما التأكيد فعلى أن يراد بالوهم في الجملة الأولى المعنى الأعمّ من القوّة الوهميّة المتعلَّقة بالمحسوسات جميعا والقوّة العقليّة المتعلَّقة بالمعقولات واطلاق الوهم على ذلك المعنى شايع في الاستعمال وارد في كثير من الأخبار .
قال بعض المحققين : اعلم أنّ جوهر الوهم بعينه هو جوهر العقل ومدركاته بعينه هو مدركات العقل ، والفرق بينهما بالقصور والكمال ، فما دامت القوّة العقليّة ناقصة كانت ذات علاقة بالموادّ الحسيّة منتكسة النظر إليها لا تدرك المعاني إلَّا متعلَّقة بالموادّ مضافة إليها ، وربما تذعن لأحكام الحسّ لضعفها وغلبة الحواسّ والمحسوسات عليها ، فتحكم على غير المحسوس حكمها على المحسوس ، فما دامت في هذا المقام اطلق عليها اسم الوهم ، فإذا استقام وقوى صار الوهم عقلا وخلص عن الزيغ والضلال والآفة والوبال ، انتهى .
وعلى ذلك فيكون المقصود بالفهم في الجملة الثانية المعنى الأعمّ أيضا ، ويكون حاصل المراد بالجملتين عجز الأوهام أي القوّة الوهميّة والعقليّة جميعا عن إدراك ذاته وتعقّل حقيقته ، لأنّ تعقّله إمّا بحصول صورة مساوية لذاته تعالى ، أو بحضور ذاته المقدّسة وشهود حقيقته ، والأوّل محال إذ لا مثل لذاته وكلّ ما له مثل أو صورة مساوية له فهو ذو ماهيّة كلَّية وهو تعالى لا ماهيّة له ، والثاني محال أيضا إذ كلّ ما سواه من العقول والنفوس والذّوات والهويّات فوجوده منقهر تحت جلاله وعظمته وسلطانه القهار عين الخفاش في مشهد نور الشمس ، فلا يمكن للعقول لقصورها عن درجة الكمال الواجبي إدراك ذاته على وجه الاكتناه والإحاطة بنعوت جلاله وصفات جماله .
فاتّضح من ذلك كلَّه أنّه سبحانه لا يدرك بالأوهام ، ولا يقدّر بالأفهام جلّ شأنه وعظم سلطانه .
( و ) الثالث أنّه ( لا يشغله سائل ) عن سائل آخر كما يشغل السائل من المخلوق
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 317
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣١٧