وبارتفاعه عنها وحصول حسّ السّمع لها تقدر على إدراك الأصوات والأقوال ، وكذلك بارتفاع الجهالة عن الجاهل وحصول الحكمة والبصيرة له يقدر على الاطلاع على ما هو خير في المآل . وأمّا قوله ( ورىّ للظَّمآن ) فيحتمل أن يكون من باب التّشبيه البليغ كسابقيه ، بأن يراد بالظَّمآن معناه الحقيقي ووجه الشبه أنّ العطشان كما يؤلمه داء العطش وبارتوائه بالماء يرتفع عنه تلك الدّاء ، فكذلك الجاهل يؤذيه داء الجهالة وبحصول الحكمة له يرتفع عنه هذا الدّاء ويحتمل أن يكون من باب الاستعارة بأن يستعار لفظ الظَّمآن للجاهل والجامع ما سبق من أنّ كلَّا منهما له داء يتاذّى به ويحتاج إلى علاجه إلَّا أنّ ما للأوّل وجدانىّ ، وما للثّاني عقلانيّ ، وعلى هذا الوجه فيكون ذكر الرّى ترشيحا وقوله ( وفيها الغنى كلَّه والسّلامة ) أمّا أنّ فيها الغنى فلأنّ من اوتى الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ، وبها يوصل إلى الحقّ المتعال ، ويسبح في بحار معرفة ذي الجلال ، وفي ذلك غنى العارفين عمّا سواه سبحانه من العالمين ، وهو تعالى غاية مراد المريدين ، ومنتهى رغبة الرّاغبين ، وكنز المساكين . وأمّا أنّ فيها السّلامة فلأنّ بها يسلم من داء الجهل في الدّنيا ، وينجى من سخط الجبّار وعذاب النّار في الأخرى . وأمّا قوله ( كتاب اللَّه ) فيحتمل أن يكون كلاما منفصلا عمّا قبله أسقط السّيد ( ره ) ما بينهما فارتفع الارتباط بالتّقطيع والالتقاط ، أو أنّه خبر لمبتدأ محذوف أي هذا كتاب اللَّه ويظهر من الشّارح البحراني الاتّصال حيث قال : كتاب اللَّه خبر مبتدأ إمّا خبر ثان لذلك ( 1 ) وما كان بمنزلة الحكمة خبر أوّل ، أو لمبتدأ محذوف تقديره : وهو كتاب اللَّه ويحتمل أن يكون عطف بيان لما كان بمنزلة الحكمة .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 316
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣١٦
هامش
( 1 ) اى لفظة ذلك في قوله وذلك بمنزلة الحكمة ، منه .