وقال الثّاني : قوله عليه السّلام : وإنّما ذلك ، أي الأمر الذي هو أحقّ بأن لا يملّ ولا يشبع منه ، بمنزلة الحكمة أي ما كان بمنزلة الحكمة .
أقول : أمّا قول الأول فهو رجم بالغيب وتأويل من غير دليل ، لعدم ثبوت التّقطيع والالتقاط بعد في هذه الفقرة وفي الفقرات الآتية كما زعمه ، وعلى تقدير ثبوته فلا يتعيّن أن تكون الإشارة به إلى كلام رواه من الرّسول بل يحتمل أن يكون إشارة إلى ما وعظهم به ونصحهم من كلام نفسه .
وأمّا قول الثاني ففيه من التّعسف والخبط ما لا يخفى ، لعدم ارتباط هذا الكلام على ما ذكره بما تقدّمه من الكلام من حيث المعنى ، مضافا إلى منافرته بل منافاته للقواعد الأدبيّة والأصول العربيّة كما هو غير خفىّ على ذوى الأذهان المستقيمة ، وكيف كان فما قيل أو يمكن أن يقال في هذا المقام فانّما هو تخمين وحسبان لا يمكن أن يوجّه به كلام الامام حتّى يقوم عليه دليل بيّن .
ثمّ الحكمة عبارة عن معرفة الصّانع سبحانه والعلم النّافع في الآخرة ويأتي مزيد بيانها في شرح الفصل الثّالث من المختار المأة والأحد والثّمانين إنشاء اللَّه تعالى .
وللإشارة إلى التّفخيم والتعظيم أتبعه بقوله ( الَّتي هي حياة للقلب الميّت ) القلب الميّت هو القلب الجاهل القاصر عن إدراك وجوه المصالح وحياته عبارة عن اهتدائه إلى ما فيه صلاحه ورشده ، وجعل الحكمة حياة له لكونها سببا للاهتداء ، فأطلق عليها لفظ الحياة مبالغة .
( و ) قوله ( بصر للعين العمياء ) من باب التشبيه البليغ يعني أنها بمنزلة حسّ البصر لها ، وذلك لأنّ العين المتّصفة بالعمى كما أنّها عاجزة عن إدراك الألوان والأضواء ، فإذا كان لها الابصار وارتفع عنها العمى تمكَّنت من إدراكها ، فكذلك الحكمة للجاهل تحصل له بها البصيرة ، فتمكَّن بها وتقدر على إدراك المآرب الحقّة .
وكذلك قوله ( وسمع للاذن الصّماء ) فانّ الصّمم مانع عن إدراك الاذن
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 315
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣١٥