تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 313

مساهمون:

ص٣١٣
يعني أنّ البصير يتزوّد منها من الأعمال الصّالحة والتّقوى ما يوصله إلى مقرّه ومقامه ، والأعمى لتوهّمه أنّ وطنه ومسكنه هي الدّنيا وأنّ مقرّه تلك الدّار وليس له ورائها دار فيتزوّد لها ويتّخذ من زبرجها وزخارفها وقيناتها ما يلتذّ ويتعيّش به فيها . ولهذا المعنى أي لأجل اختلاف النّاس بالمعرفة والجهالة وافتراقهم بالعمى والبصيرة اختلفت الآراء والأهواء ، فبعضهم وهم أهل الدّنيا والرّاكنون إليها يحبّ الحياة ويغتنمها وينهمك في الشّهوات ، وينتهز الفرصة في طلب العيش واللَّذات ، فيرجّح الحياة على الممات ويمدحها كما قال الشّاعر :
أو في يصفّق بالجناح مغلسا ويصيح من طرب إلى ندمان يا طيب لذّة هذه دنياكم لو أنّها بقيت على الانسان
والبعض الآخروهم أهل الآخرة العارفون بأنّ الدّنيا دار الفناء وأنّ الدّار ورائها يرجّح الموت على الحياة ويتشوّق إليه كما قال :
جزى اللَّه عنّا الموت خيرا فانّه أبرّ بنا من كلّ برّ وأرءف يعجّل تخليص النّفوس من الأذى ويدنى من الدّار الَّتى هي أشرف
وقال آخر :
من كان يرجو أن يعيش فانّنى أصبحت أرجو أن أموت لاعتقا في الموت ألف فضيلة لو أنّها عرفت لكان سبيله أن يعشقا
فان قلت : إذا كان هوى أهل الآخرة ورغبتهم على ما ذكرت في الموت ، فكيف التّوفيق بينه وبين قوله عليه السّلام : ( واعلموا أنّه ليس من شيء إلَّا ويكاد صاحبه أن يشبع منه ويملَّه إلَّا الحياة فانّه لا يجد له في الموت راحة ) فانّ ظاهر هذا الكلام يفيد أنّ اللَّذات كلَّها لعموم النّاس مملول منها إلَّا الحياة معلَّلا بأنّه لا استراحة في الممات قلت : ظاهر هذا الكلام وان كان يعطى العموم وكراهيّة الموت للكلّ إلَّا أنّه يحمل على الخصوص أعنى كراهيّته لأهل الشقاوة جمعا بينه وبين الأخبار الدّالة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 313 | حبيب الله الهاشمي الخوئي / سيد إبراهيم الميانجي