وأما الشارح المعتزلي
فقد قال في شرح الكلام السّادس والخمسين إنّ أكثر أهل الحديث وأكثر المحقّقين من أهل السّيرة رووا أنّه أوّل من أسلم ، ثمّ روى من كتاب الاستيعاب لأبي عمرو يوسف بن عبد البرّ روايات كثيرة دالَّة على سبق إسلامه عليه السّلام .
وقال بعدها : واعلم أنّ شيوخنا المتكلَّمين لا يكادون يختلفون في أنّ أوّل النّاس إسلاما عليّ بن أبي طالب إلَّا من عساه خالف في ذلك من أوائل البصرييّن ، فأمّا الذي تقرّرت المقالة عليه الآن فهو القول بأنّه سبق الناس إلى الايمان لا تكاد تجد اليوم في تصانيفهم وعند متكلَّميهم والمحقّقين منهم خلافا في ذلك .
قال : واعلم أنّ أمير المؤمنين ما زال يدّعى ذلك لنفسه ويفتخر به ويجعله في أفضليّته على غيره ويصرّح بذلك ، وقد قال غير مرّة : أنا الصدّيق الأكبر ، وأنا الفاروق الأوّل أسلمت قبل اسلام أبي بكر وصلَّيت قبل صلانه .
وروى عنه هذا الكلام بعينه أبو محمّد بن قتيبة في كتاب المعارف وهو غير متّهم في أمره ومن الشّعر المروىّ عنه في هذا المعنى الأبيات التي أوّلها :
محمّد النبيّ أخي وصنوى
وحمزة سيّد الشهداء عمّى
ومن جملتها :
سبقتكم إلى الاسلام طرّا
غلاما ما بلغت أوان حلمي
والأخبار الواردة في هذا الباب كثيرة جدّا لا يتّسع هذا الكتاب لذكرها فليطلب من مظانّها ، ومن تأمّل كتب السّير والتّواريخ عرف من ذلك ما قلناه .
ثمّ قال : فأمّا الذّاهبون إلى أنّ أبا بكر أقدمها إسلاما فنفر قليلون ، ونحن نذكر ما أورده ابن عبد البرّ أيضا في كتاب الاستيعاب في ترجمة أبي بكر وذكر الأخبار الواردة في سبق إسلامه ، ثمّ قال ومعلوم أنّه لا نسبة لهذه الرّوايات التي ذكرناها في ترجمة علىّ الدّالة على سبقه ، ولا ريب أنّ الصّحيح ما ذكره أبو عمرو أنّ عليّا كان هو السابق وأنّ أبا بكر هو أوّل من أظهر الاسلام فظنّ أنّ السّبق له .