تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 290

مساهمون:

ص٢٩٠
وهذا لا يقع باتفاق من صبىّ لا عقل له ولا يحصل ممّن لا تميز معه . ويؤيده أيضا ما ذكرناه أنّ النبىّ بدء به في الدّعوة قبل الذكور كلَّهم وإنّما أرسله الله تعالى إلى المكلَّفين فلو لم يعلم أنه عاقل مكلَّف لما افتتح به أداء رسالته وقدّمه في الدعوة على جميع من بعث الله إليه ، لأنه لو كان الأمر على ما ادّعته الناصبة لكان عليه السّلام قد عدل عن الأولى وتشاغل بما لم يكلَّفه عن أداء ما كلَّفه ووضع فعله في غير موضعه ، ورسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلَّم يجلّ عن ذلك . وشئ آخر وهو أنه صلَّى الله عليه وآله وسلَّم دعا عليّا في حال كان مستترا فيها بدينه كاتما لأمره خائفا ان شاع من عدوّه فلا يخلو أن يكون قد كان واثقا من أمير المؤمنين بكتم سرّه وحفظ وصيّته وامتثال أمره وحمله من الدّين ما حمله ، أو لم يكن واثقا بذلك فإن كان واثقا ولم يثق به عليه السّلام إلَّا وهو في نهاية كمال العقل وعلى غاية الأمانة وصلاح السريرة والعصمة والحكمة وحسن التّدبير ، لأنّ الثقة بما وصفناه دليل جميع ما شرحناه على الحال الَّتى قدّمنا وصفها ، وإن كان غير واثق من أمير المؤمنين بحفظ سرّه وغير آمن من تضييعه وإذاعة أمره فوضعه عنده من التفريط وضدّ الحزم والحكمة والتدبير ، حاشا الرّسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم من ذلك ومن كلّ صفة نقص وقد أعلى الله عزّ وجلّ رتبته وأكذب مقال من ادّعا ذلك فيه . وإذا كان الأمر على ما بيّناه فما ترى النّاصبة قصدت بالطَّعن في ايمان أمير المؤمنين إلَّا عيب الرّسول صلَّى الله عليه وآله وسلَّم والزم لافعاله ووصفه بالعبث والتفريط ووضع الأشياء غير موضعها والازراء عليه في تدبيراته وما أراد مشايخ القوم ومن ألقى هذا المذهب إليهم إلَّا ما ذكرناه والله متمّ نوره ولو كره الكافرون . وانما أوردت هذا الكلام بطوله مع كثرة فوائده ومزيد عوائده ووثاقة مبانيه ولطافة معانيه وإنبائه عن علوّ شأن قائله ورفعة مقامه وطول باعه في باب المناظرة والجدال وقوّة ذراعه في إبطال مقال أهل العصبيّة والضّلال ، فحرىّ له أن يلقّب بالمفيد وهنيئا له أن يخرج باسمه التّوقيع الشريف من الامام الرّشيد ، جزاه الله عن مذهب الحقّ وأهله خير الجزاء .