يكون في النّار حطبا أو في الجنان للنّبييّن مرافقا ) وما تدري نفس ما ذا تكسب غدا من خير أو شرور بما تعزم على شيء فتفعل خلافه وقيل ما يعلم بقائه غدا فكيف يعلم تصرّفه ، وما تدري نفس في أىّ أرض تموت وقيل انّه إذ ارفع خطوة لم يدر انّه يموت قبل أن يضع الخطوة أم لا .
( فهذا ) أي ما ذكر من العلم بالأمور الخمسة المعدودة ( علم الغيب الذي لا يعلمه أحد إلَّا اللَّه سبحانه وما سوى ذلك فعلم علَّمه سبحانه نبيّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم فعلَّمنيه ) رسول اللَّه باذن من اللَّه ( ودعا لي بأن يعيه ) أي يحفظه ( صدري وتضطم عليه جوانحي ) أي تضبطه قلبي ويشتمل عليه ، وكنّى بالجوانح عن القلب لاشتمالها عليه .
أقول : ومحصّل ما استفيد من كلامه أنّ ما أخبر به من خبر الأتراك ونحوه ممّا يكون ويحدّث به في غابر الزّمان فليس هو من علم الغيب وإنّما علم الغيب هو العلم بالأمور الخمسة المعدودة في الآية الشّريفة إلَّا أنه يشكل بوجهين .
أحدهما انّه كيف يمكن نفي علم الغيب عمّا أخبر به مع أنّك قد عرفت في شرح الفصل الثّاني من الخطبة التّسعين أنّ الغيب عبارة عمّا غاب عن الخلق علمه وخفى مأخذه ، ومن المعلوم أنّ الحوادث التي تحدث والملاحم التي تقع في غابر الزّمان ممّا هو غائب عن نظر الخلق وهو اسّهم .
وثانيهما أنّه كيف يصلح حصر علم الغيب في الأمور الخمسة فانّه بعد ما كان المدار على التعلَّم من ذيعلم فلا تفاوت حينئذ بين تلك الأمور وغيرها ، لامكان العلم بها بتعليم ذي العلم ، بل هو واقع ، وتحقيق المقام يحتاج إلى بسط في الكلام لكونه من مزالّ الأقدام .
فأقول بعد الاعتصام بالملك العلَّام والتمسّك بذيل أئمّة الأنام عليهم الصّلاة والسّلام : إنّ مقتضى بعض الأدلَّة هو اختصاص علم الغيب باللَّه سبحانه ونفيه عمّن سواه تعالى ، ومقتضي البعض الآخر إثباته لغيره تعالى من الأنبياء والأئمة والملائكة والرّسل عليهم السّلام ، ومفاد طائفة ثالثة من الأدلَّة هو التّفصيل .
أمّا الأدلَّة الأول فمنها قوله تعالى في سورة الأنعام : وعنده مفاتح الغيب
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 213
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢١٣