بأسرارها وبواطنها كما يقال قلَّب الأمر ظهرا لبطن .
( وقادرها بقدرها ) أي معامل لها بمقدارها ( وناظرها بعينها ) أي ناظر إليها بعين البصيرة والعبرة ، أو أنظر إليها نظرا يليق بها وهو نظر الحقارة والذّلة .
كما يشهد به ما رواه في غاية المرام من رسالة الأهواز للصّادق عليه السّلام قال : قال عليّ بن الحسين سمعت أبا عبد اللَّه الحسين عليهما السّلام يقول : حدّثني أمير المؤمنين عليه السّلام قال : إنّي كنت بفدك في بعض حيطانها وقد صارت لفاطمة ، قال : فإذا أنا بامرأة قد قحمت عليّ وفي يدي مسحاة أعمل بها ، فلمّا نظرت إليها طار قلبي ممّا تداخلني من جمالها ، فشبّتهها بثنية بنت عامر الجمحي وكانت من أجمل نساء قريش ، فقالت : يا بن أبي طالب هل لك أن تزوّج بي فأغنيك عن هذه وأدّلك على خزائن الأرض فيكون لك المال ما بقيت ولعقبك من بعدك فقلت لها : من أنت حتّى أخطبك من أهلك قالت : أنا الدّنيا ، قلت لها : ارجعي واطلبي زوجا غيري ، وأقبلت على مسحاتي وأنشأت أقول :
لقد خاب من غرّته دنيا دنيّة
وما هي إن غرّت قرونا بطائل
أتتنا على زىّ العزيز ثنيّة
وزينتها في مثل تلك الشّمائل
فقلت لها غرّي سواي فانّني
عروف عن الدّنيا ولست بجاهل
وما أنا والدّنيا فانّ محمّدا
أحلّ صريعا بين تلك الجنادل
وهبها أتتنا بالكنوز ودرّها
وأموال قارون وملك القبائل
أليس جميعا بالفناء مصيرها
وتطلب من خزّانها بالطَّوائل
فغرّي سواي انّني غير راغب
بما فيك من ملك وعزّ ونائل
فقد قنعت نفسي بما قد رزقته
فشأنك يا دنيا وأهل الغوائل
فانّي أخاف اللَّه يوم لقائه
وأخشى عذابا دائما غير زائل
فخرج من الدّنيا وليس في عنقه تبعة لأحد حتّى لقى اللَّه سبحانه محمودا غير ملوم ولا مذموم ، ثمّ اقتدت به الأئمّة من بعده بما قد بلغكم لم يتلطَّخوا بشيء