فأسلموا وأسلم الأحنف .
( كأنّي به ) أي عليّ بن محمّد صاحب الزّنج ( وقد سار بالجيش الَّذي لا يكون له غبار ) أصلا أو الغبار الشّديد الذي جرت العادة بسطوعها عند مسير الجيوش والفرسان وثورانها من حوافر الخيل ( ولا لجب ) وصياح ( ولا قعقعة لجم ولا حمحمة خيل ) إذ لم يكونوا ركبا بل كانوا مشاة حفاة ( يثيرون الأرض بأقدامهم كأنّها أقدام النّعام ) تشبيه أقدامهم بأقدام النعام لكونها في الأغلب قصارا عراضا منتشرة الصدر مفرّجات الأصابع كما في النّعام ، وأراد باثارتهم الأرض بأقدامهم شدّة وطئهم لها ، وكنّى بها عنها وما قيل : من أنّ المعنى أنهم يثرون التراب بأقدامهم لأنّ أقدامهم في الخشونة كحوافر الخيل ففيه أنه لا يلائم ظاهر قوله لا يكون له غبار إلَّا أن يحمل المنفيّ على الغبار الشّديد حسبما قدّمناه .
ثمّ قال : ( ويل لسكككم العامرة ) أي لطرقكم المستوية وأزّقتكم المعمورة ( والدّور المزخرفة ) المموّهة بالزّخرف والذّهب ( الَّتي لها أجنحة كأجنحة النّسور ) أراد بأجنحة الدّور رواشنها وما يعمل من الأخشاب والبواري بارزة عن السّقوف حفظا للحيطان وغيرها عن الأمطار وشعاع الشمس ( وخراطيم كخراطيم الفيلة ) أراد بخراطيمها ميازيبها التي تعمل من الخوص على شكل خرطوم الفيل وتطلى بالقار يكون نحوا من خمسة أذرع أو أزيد تدلى من السّطوح ليسيل منها ماء المطر ويحفظ السّطوح والحيطان ( من أولئك الذين لا ينتدب قتيلهم ) قيل إنه وصف لهم لشدّة البأس والحرص على القتال ولا يبالون بالموت ، وقيل : لأنهم كانوا عبيدا غرباء لم يكن لهم أهل وولد ممّن عادتهم النّدبة ( ولا يفتقد غائبهم ) لكثرتهم وكونهم إذا قتل منهم قتيل سدّ مسدّه غيره ، أو لكونهم غرباء ليس لهم أقرباء من شانهم افتقاد الغائب .
ثمّ قال : ( أنا كابّ الدّنيا لوجهها ) كناية عن عدم التفاته إليها كما حكي مثله عن عيسى أنه قال : أنا الَّذي كببت الدّنيا على وجهها ليس لي زوجة تموت ولا بيت يخرب وسادي الحجر وفراشى المدر وسراجى القمر ، أو أراد به علمه
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 206
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٠٦