الترجيح والتفضيل حسب ما تطلع عليه بتفصيل ، ولمّا ولىّ عثمان بلغ في ذلك الغاية وأعطى الناس على ما يراه وسلك في الاعطاء إليهم بمقتضى هواه حسب ما عرفته في شرح الخطبة الثالثة المعروفة بالشقشقية .
فلمّا قام أمير المؤمنين عليه السّلام بالأمر وقد كان النّاس اعتادوا التّفضيل والترجيح أزمنة متطاولة ومدّة متمادية وأرادوا التسوية في العطيّة والعمل بسنّة الرّسول صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم شقّ ذلك على الناس وصعب عليهم تغيير العادة وكان ذلك سببا لنقض البيعة من زبير وطلحة وآكد أسباب تقاعد الناس عنه عليه السّلام ولحوقهم بمعاوية حيث رأوا منه الصّنيعة حسب ما عرفته في شرح الخطبة الرابعة والثلاثين .
فعند ذلك مشى إليه طائفة من أصحابه وسألوه تفضيل أولى السّابقات والشرف في العطاء أي تفضيل ذوى الخصال الحميدة من السّبق في الاسلام والهجرة وشهود الحروب من البدر والأحزاب وسائر الخطوب وذوى المجد والشرف والمتّصفين بعلوّ الحسب والنّسب .
فلمّا سألوه ذلك أجابهم عليه السّلام بقوله : ( أتأمرونّى أن أطلب النّصر بالجور ) استفهام على سبيل التقريع والتوبيخ : أي كيف تأمروننى أن أطلب النّصر منكم بالجور والظلم ( في ) حقّ ( من ولَّيت عليه ) وملكت أمره من المسلمين الذين لا سوابق لهم ولا شرف في حسبهم ونسبهم بنقصهم في العطاء عن غيرهم وبخسهم حقّهم كما فعله عمر وعثمان ( واللَّه ما أطور به ) ولا أحوم حومه ( ما سمر سمير ) واختلف اللَّيل والنّهار ( وما أمّ ) وقصد ( نجم في السّماء نجما ) أي دائما لأنّ النجوم لا يزال يقصد بعضها بعضا بحركتها .
( لو كان المال لي لسوّيت بينهم ) تبعا لسيرة الرّسول وسنّته وقضاء لحقّ المواساة ( فكيف وإنما المال مال اللَّه ) والفقراء عيال اللَّه فلا ينبغي إزواء ماله عن عياله وصرفه إلى غيره .
ثمّ نبّه عليه السّلام على مفاسد صرف المال في غير أهله بقوله ( ألا وإنّ إعطاء المال في غير حقّه تبذير وإسراف ) وقد نهى اللَّه عنه وقال :
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 184
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٨٤