وأيضا قال ( إنّ أكرم الموت القتل ) حيث إنّه موجب للذكر الجميل في الدّنيا والأجر الجزيل في العقبا ومع ذلك فلا يجوز للبصير تفويت هذا النفع الكثير على نفسه والاقدام على الموت بحتف أنفه قال الشاعر :
وإن تكن الأبدان للموت أنشئت
فقتل امرء واللَّه بالسيف أفضل
ثمّ حاول عليه السّلام تحريص أصحابه وتحريضهم على الجهاد والثبات عليه وجعل طباعهم مناسبة لطبيعته فقال ( والذي نفس ابن أبي طالب بيده لألف ضربة بالسّيف أهون علىّ ) وأسهل ( من ميتة على الفراش ) .
فان قلت : حلفه ذلك هل هو على الحقيقة أو من باب المجاز والمبالغة ترغيبا لأصحابه في الجهاد قلت : بل هو على حقيقته ، لأنّه لفرط محبّته في اللَّه ومنتهى شوقه إلى اللَّه وغاية رغبته في ابتغاء مرضات اللَّه سبحانه كان في أعلى مراتب الفناء في اللَّه والبقاء باللَّه ، فارغا عن نفسه في جنب مولاه ، ومع ذلك الحال لا تأثير فيه لضربات السيوف وطعنات الرّماح البتّة ويشهد بذلك ما رواه غير واحد من أنه عليه السّلام قد أصابت رجله الشريف نشابة في غزوة صفّين ولم يطق الجرّاحون إخراجها من رجله لاستحكامها فيه ، فلما قام إلى الصّلاة أخرجوها حين كونه في السجدة ، فلما فرغ من الصّلاة علم باخراجه وحلف أنه لم يحس ذلك أصلا ويؤيد ذلك ما عن الخرائج مسندا عن أبي جعفر عليه السّلام قال الحسين عليه السّلام قبل أن يقتل إنّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم قال : يا بنىّ انّك ستساق إلى العراق وهى أرض قد التقى بها النّبيون وأوصياء النّبيين ، وهى أرض تدعى غمور أو أنك تستشهد بها ويستشهد معك جماعة من أصحابك لا يجدون ألم مسّ الحديد ، وتلي صلَّى اللَّه عليه وآله وسلَّم : يا نار كونى بردا وسلاما على إبراهيم ، يكون الحرب عليك وعليهم سلما ، الحديث وجه التأييد أنّ أصحاب الحسين عليه السّلام مع كونهم من أدنى عبيد أمير المؤمنين إذا لم يجدوا ألم الحديد بما فيهم من المحبّة والشوق إلى لقاء الحقّ فكيف به عليه السّلام