ولما كان كمال القوّة العملية لا يحصل إلَّا بكمال القوّة النظرية أردفه بقوله ( ومن لا ينفعه حاضر لبّه فعازبه ) أي بعيده ( أعجز وغايبه أعوز ) أي أعدم للمنفعة يعني أنّ من لا ينفعه لبّه الحاضر وعقله الموجود فهو بعدم الانتفاع بما هو غير حاضر ولا موجود عنده من العقل أولى وأحرى .
وقيل في تفسيره وجوه أخر : الأول من لا يعتبر بلبّه في حياته فأولى بأن لا ينتفع به بعد الموت الثاني أنّ من لم يعمل بما فهم وحكم به عقله وقت امكان العمل فأحرى أن لا ينتفع به بعد انقضاء وقته بل لا يورثه إلَّا ندامة وحسرة الثالث أنّ من لم يكن له من نفسه رادع وزاجر فمن البعيدان نيز جر ويرتدع بعقل غيره وموعظة غيره كما قيل : وزاجر من النفس خير من عتاب العواذل .
ولما حثّ بالعمل أكَّده بالتحذير من النار فقال ( واتّقوا نارا حرّها شديد وقعرها بعيد وحليتها حديد وشرابها صديد ) لا يخفى ما في هذه الفقر من حسن الخطابة حيث ناط بكلّ لفظة ما يناسبها ويلايمها لو نيطت بغيرها لم تلائم ، والإضافة في القرينة الأولى على أصلها ، وفي الأخيرة لأدنى المناسبة ، وفي الوسطين تحتمل الأول والثّاني ، واستعارة الحلية للقيود والاغلال من باب التحكم ، والقرينة الأخرى مأخوذة عن قوله سبحانه : * ( يُسْقى مِنْ ماءٍ صَدِيدٍ ) * ، وهو القيح والدّم ، وقيل : هو القيح كأنه الماء في رقته والدّم في شكله ، وقيل : هو ما يسيل من جلود أهل النار وكيف كان فتوصيف النار بهذه الأوصاف الأربعة للتحذير والترهيب منها كما أنّ في ذكر حلية أهل الجنّة وشرابهم في قوله تعالى : * ( وَحُلُّوا أَساوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً ) * .
ترغيبا وتشويقا إليها ثمّ قال ( ألا وإنّ اللَّسان الصالح ) اى الذكر الجميل تسمية للشيء باسم مسبّبه ( يجعله الله للمرء في الناس خير له من مال يورثه من لا يحمده ) وقد مرّ نظير هذه العبارة في الفصل الثاني من فصلي الخطبة الثالثة والعشرين ، والمراد أنّ تحصيل مكارم الأخلاق
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 127
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص١٢٧