عثراته وأيّ شيء رأى منه حتّى اغترّ به وأىّ داع له إلى تأويل كلامه فانّ لفظة الدّعابة في كلام ابن العاص وابن الخطاب واحدة فلم يبقيها في حقّ ابن العاص على ظاهرها ويجريها على أقبح وجها ويأوّلها في حق ابن الخطاب ويخرّجها على أحسن وجهها مع أنّ الشمس لا يستر بالحجاب والحقّ لا يخفى على أولى الألباب .
وأهل المعرفة يعرف أنّ كلّ ما يتوجّه في هذا الباب على ابن العاص يتوجّه على ابن الخطاب بل وزيادة إذ هو أوّل من صدر عنه هذا التشنيع وأوّل من اتّهمه عليه السّلام بهذا الأمر الفظيع .
ثمّ أقول : كيف خفي عن الشارح النتاقض في كلام عمر مع وضوحه حيث إنّه صدق ابن عبّاس أوّلا في كون أمير المؤمنين عليه السّلام أهلا للخلافة إلَّا أنّه استدرك بقوله : ولكنه فيه دعابة فجعل الدعابة مانعة له عنها موجبة لسقوطه عن أهليّتها وذلك يناقض صريحا قوله في آخر الرّواية لئن وليها ليحملنّهم على المحجّة البيضاء وبعبارة أخرى إن كانت الدّعابة التي نسبها إليه عليه السّلام أمرا خارجا عن حدّ الاعتدال مخالفا للشريعة الغراء كيف يمكن معها حمل الناس على المحجّة البيضاء وعلى الكتاب والسنّة والطريقة المستقيمة وإن لم يكن أمرا منافيا لحملهم على ما ذكر فأيّ مانعية له عن استحقاق الخلافة والولاية .
وأمّا ما اعتذر به الشارح من أنّ عمر إنّما قال ذلك بمقتضى شدّة غلظته وخشونة جبلته ظانا أنّ الخلافة لا تصلح إلا للشديد الشكيمة العظيم الوعورة .
ففيه أنّ الشدّة والغلظة لو كانت شرطا للخلافة كما ظنه عمر لوجب أن يكون شرطا للنّبوة بطريق أولى مع أنّه سبحانه قال : * ( فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنْتَ لَهُمْ ولَوْ كُنْتَ ) * ومدح نبيَّه صلَّى اللَّه عليه وآله بقوله : * ( وإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ ) * .
فاللَّازم لعمر الَّذي جعلوه خليفتهم أن يكون سيره وسلوكه على طبق الكتاب
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 90
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٩٠