تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
الحرام وتحريم فرج الحلال . إذ من دنائة الكذب أنّه يردّ شهادة صاحبه وإن كان صادقا ، ومن شرافة الصّدق أنّه يقبل شهادة المتّصف به وإن كان كاذبا ، ومنشأ الكذب دنائة الهمّة وقلَّة المروّة وغلبة الحرص والخسّة ، ومنشأ الصّدق ارتفاع الهمّة وغلبة المروّة وكمال الفتوّة والكذب شعار خلق ، ومورد رنق ، وأدب سيّيء ، وخلق رديّ ، وعادة خسيسة ، وصفة خبيثة ، وقلّ ما يجلب به الألفة ، وقلّ من ألفه إلَّا أتلفه ، والصّدق لباس بهيّ وجوهر درّي وصفة وصيفة ، وحالة شريفة ، جالبة للألفة ، كاسبة للمودّة ، خدمته القلوب بالمحبّة ، لحظته العيون بالمهابة . وكفى لقبحه شرعا لو لم يرد به خبر إلَّا قول أمير المؤمنين في رواية الكافي عن أصبغ بن نباتة عنه عليه السّلام لا يجد عبد طعم الايمان حتى يترك الكذب هزله وجدله « جدّه ظ » وكيف بذلك والأخبار الواردة فيه فوق حدّ الاستفاضة كما مضى سابقا . ويزيد على ساير المعاصي بأنّ أصحاب الكباير ربّما يلحقهم الحياء والخجل من سوء عملهم ، ويرجعون عن عملهم القبيح ويتوبون عنه ، وأمّا الكاذب فلا يستحيى من كذبه لكونه كثير الاستعمال ومأنوسا مرفوع القبح عن نظره ، ومن تعوّد نفسه بذلك قلّ أن يرتدع عنه . ومن هنا قيل رأيت شريب خمر نزع ، ولصّا أقلع ، وصاحب فواحش ارتدع وما رأيت كاذبا رجع . إذا عرفت ذلك فنقول : إنّ الكذب على قسمين : شرعىّ وغير شرعيّ ، وأعنى بالشّرعي ما يجوز في الشّرع جوازا بالمعنى الأعم ، وبالغير الشرعي خلافه وأعني به الحرام وهو على قسمين جليّ وخفيّ أما الجلى فهو على قسمين . أحدهما الكذب في حقّ النّاس أو في حقّ نفسه أو غيرهما ، بأن يقول : وعدني فلان كذا مع أنّه لم يعده بشيء أو يقول أعطيت فلانا كذا مع أنّه لم يعطه شيئا ، أو أنّي عالم بكذا مع أنّه جاهل به ، أو نحو ذلك .